اخبار العالم

هل تنجح فنزويلا في اختبار سيادتها أمام ضغوط واشنطن؟

تشهد فنزويلا منذ اعتقال رئيسها نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك مطلع يناير الجاري منعطفاً حاسماً في علاقتها مع الولايات المتحدة، عقب خطوة وصفت بأنها غير مسبوقة تمثلت في عملية عسكرية أثارت جدلاً دولياً حول سيادة القرار الوطني وحدود التدخل الأمريكي في شؤون الدول الأمريكية.

وتتعدد القراءات حول المسار الذي تتجه إليه كاراكاس؛ فبينما يرى تيار أن فنزويلا تحافظ على استقلالية قرارها السياسي والاقتصادي في مرحلة ما بعد مادورو، يرى آخرون أن الضغوط الأمريكية المتراكمة دفعت الرئيسة المؤقتة إلى الانصياع لمطالب واشنطن خصوصاً في ملفات النفط والتعاون الدولي وإعادة هيكلة العلاقات الخارجية.

وتواصل الولايات المتحدة فرض عقوبات صارمة على قطاعات حيوية من الاقتصاد الفنزويلي، وهو ما انعكس تراجعاً حاداً في الإنتاج النفطي وخسائر كبيرة في الإيرادات، في مقابل تهديد برفع جزئي للعقوبات النفطية كحافز لجذب الاستثمارات وإعادة إدماج فنزويلا في الأسواق العالمية.

وفي السياق ذاته، تشير تقارير إلى وجود مطالب أمريكية للرئيسة المؤقتة بقطع أو تقليص العلاقات مع حلفاء تقليديين مثل روسيا والصين وإيران، وهو ما يضع كاراكاس أمام اختبار صعب بين الاعتماد الخارجي والحفاظ على السيادة الوطنية.

وتفتح هذه التحولات الباب لسؤال أوسع حول تأثير مستقبل فنزويلا على الاستقرار الإقليمي في أمريكا اللاتينية، وإمكانية إعادة رسم خريطة النفوذ وتحالفات الطاقة والأمن في منطقة الكاريبي وأمريكا الجنوبية.

مفترق طرق

إلى ذلك، يرى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بوجدة، الدكتور محمد بوبوش، أن فنزويلا تقف عند مفترق طرق تاريخي يعيد طرح سؤال السيادة في نصف الكرة الغربي بصورة أشد قسوة وتعقيداً.

ويشرح أن كاراكاس باتت محاصرة بين تبعية قسرية لواشنطن ومحاولات شاقة للحفاظ على ما تبقى من استقلالية القرار الوطني في ظل تدخل أمريكي غير مسبوق توّج باعتقال مادورو تحت مسمى “عملية العزم المطلق”.

ويعتبر بوبوش أن هذا التدخل لا يمكن فصله عن إحياء “مبدأ مونرو” بنسخته المتشددة، أو ما يسميه “مبدأ دونرو”، الهادف إلى إعادة دمج فنزويلا قسراً في المدار الجيوسياسي والاقتصادي الأمريكي.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تتجلى ملامح التبعية في سعي واشنطن لإعادة هيكلة قطاع النفط الفنزويلي عبر الشركات الكبرى، مما يعني عملياً رهن الثروة الوطنية مقابل تخفيف العقوبات وفتح أبواب التمويل الدولي، وهو ما يجعل الاستقلال السياسي دون سند اقتصادي شعاراً فارغاً.

في المقابل، يشير بوبوش إلى وجود مقاومة وطنية تقودها الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز، مستندة إلى إرث الثورة البوليفارية وتحالفات مع روسيا والصين، حيث يشكل تنامي التبادل التجاري مع موسكو والاستثمارات الصينية متنفساً يمنح كاراكاس هامشاً من المناورة خارج الهيمنة الأمريكية.

غير أن هذا الهامش يظل هشاً في ظل التفوق العسكري الأمريكي في الكاريبي وقدرته على خنق صادرات النفط.

ويخلص بوبوش إلى أن فنزويلا تتجه نحو نموذج “السيادة المقيدة”، حيث تحافظ على شكل الدولة المستقلة، لكنها تخضع عملياً لإدارة استراتيجية غير معلنة من واشنطن، في صراع يتجاوز مسألة السلطة إلى معركة أعمق حول معنى الكرامة والسيادة في عالم متعدد الأقطاب.

معادلة دقيقة

من جانبه، يرى الدكتور محمد عطيف، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة شعيب الدكالي وباحث متخصص في شؤون أمريكا اللاتينية، أن فنزويلا دخلت مرحلة انتقالية شديدة الحساسية عقب العملية العسكرية الأمريكية التي أطاحت بمادورو في الثالث من يناير، وهي خطوة أعادت رسم موازين النفوذ وضيّقت هامش المناورة أمام كاراكاس.

ويوضح عطيف أنه بعد سنوات من خطاب السيادة والتحالف مع قوى دولية كروسيا والصين وإيران، باتت فنزويلا مضطرة للتكيف مع شروط واشنطن أملاً في تخفيف العقوبات وفتح أبواب الاستثمار، غير أن هذا المسار يطرح إشكالية مركزية تتعلق بقدرة الحكومة الانتقالية على حماية استقلالية القرار الوطني من الانزلاق نحو تبعية سياسية واقتصادية متزايدة.

ويؤكد أن العقوبات الأمريكية، التي تصاعدت منذ 2017 واستهدفت خصوصاً قطاع النفط والمال، أسهمت في إضعاف الاقتصاد وتعميم أزماته الاجتماعية، رغم تداخلها مع سوء الإدارة وتراجع أسعار النفط.

وفي المرحلة الراهنة يبدو الإبقاء على جزء من هذه العقوبات أداة ضغط لتوجيه المسار الانتقالي نحو فك الارتباط مع الشركاء غير الغربيين، واعتماد نموذج اقتصادي أكثر انفتاحاً واندماجاً في الفضاء الأمريكي.

سياسياً، تواجه فنزويلا معادلة دقيقة بين استعادة الشرعية الديمقراطية داخلياً وتفادي الارتهان الكامل للإملاءات الخارجية، في ظل ربط تخفيف العقوبات بإعادة ضبط العلاقات الدولية. أما إقليمياً، فإن مآلات هذا التحول مرشحة لترك بصمات واضحة على توازنات أمريكا اللاتينية، بين تعزيز الحضور الأمريكي أو إثارة ردود فعل رافضة من حكومات يسارية، ليبقى نجاح الانتقال الديمقراطي عاملاً حاسماً في استقرار المنطقة أو اضطرابها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى