اخبار العالم

تهديدات ترامب تجاه كندا: اختبار جديد لنفوذ الولايات المتحدة والصين

أطلق ترامب تهديدات مباشرة بفرض رسوم جمركية قاسية قد تصل إلى 100% على السلع الكندية، في حال مضت كندا في تعميق شراكتها التجارية مع الصين.

هذا التصعيد غير المسبوق يعيد إلى الواجهة أسئلة حول الأدوات التي قد تلجأ إليها الولايات المتحدة لمنع تمدد النفوذ الصيني في محيطها القريب، وهل ستبقى الضغوط ضمن إطار “الغزو الاقتصادي” أم ستتطور إلى أشكال أعمق من المواجهة الجيوسياسية.

ويراه مراقبون أن خطاب ترامب يستحضر، ولو ضمنياً، نموذج التعامل الأمريكي مع فنزويلا حيث جرى توظيف العقوبات الاقتصادية والعزل السياسي والتهديدات غير المباشرة كبدائل عن التدخل العسكري المباشر.

وفي الحالة الكندية، يبدو السيناريو العسكري مستبعداً بحكم التحالفات والمؤسسات المشتركة، إلا أن “العسكرة الاقتصادية” عبر التعريفات وسلاسل الإمداد والضغط على الاستثمارات قد تمثل أداة فعالة لإجبار أوتاوا على إعادة ضبط خياراتها الاستراتيجية.

مراكز القوة وهامش المناورة لدى كندا

من جهة أخرى، يرى خبراء أن كندا تمتلك هامش مناورة أوسع من فنزويلا بفضل اندماجها العميق في الاقتصاد الغربي، ما يجعل هذا التصعيد أقرب إلى معركة نفوذ كبرى بين واشنطن وبكين، تُستخدم فيها كندا كساحة اختبار أكثر من كونه مقدمة لمواجهة مفتوحة في أمريكا الشمالية.

وترى أستاذة العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس في الرباط، الدكتورة سمر الخمليشي، أن التصعيد اللفظي والسياسي لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات الكبرى في الاستراتيجية الأمريكية لإعادة تعريف مجالها الحيوي في ظل التنافس مع الصين.

موضحة أن المسألة لا تتعلق باتفاق تجاري بعينه بل بموقع كندا ضمن منظومة الهيمنة الاقتصادية والأمنية لأمريكا، وهي منظومة تسعى واشنطن إلى ضبطها بما يخدم أولوياتها الاستراتيجية في مواجهة بكين.

وتوضح الخمليشي أن الولايات المتحدة تنظر بعين القلق إلى أي تقارب اقتصادي بين كندا والصين، ليس فقط بسبب طبيعته التجارية ولكن أيضاً لما قد يمثله من منفذ محتمل للإلتفاف على سياسات الاحتواء والقيود الاقتصادية التي تفرضها واشنطن على الصين.

ومن هذا المنطلق، فإن التلويح بفرض رسوم جمركية مرتفعة يندرج ضمن أدوات الردع الاستباقي التي يستخدمها ترامب للضغط السياسي، أكثر مما يعكس توجهاً فعلياً نحو تصعيد اقتصادي طويل الأمد قد يضر بجميع الأطراف.

وتلفت الباحثة إلى أن اللافت في خطاب ترامب ليس مجرد مضمون التهديدات بل أيضاً لغته، إذ وصفه لرئيس الوزراء الكندي بـ”الحاكم” بدلاً من صفته الرسمية لا يمكن اعتباره مجرد زلة لسان بل يحمل دلالة رمزية عميقة.

وتخلص الخمليشي إلى أن ما يجري يعكس حالة توتر مضبوط يصعب أن يتحول إلى أزمة سياسية مفتوحة داخل أمريكا الشمالية، ولكنه يكشف طبيعة التحولات في النظام الدولي حيث لم يعد الحلفاء شركاء متكافئين كما في السابق، بل أصبحوا جزءاً من منظومة نفوذ تقودها واشنطن وفق منطق القوة وإعادة توزيع المصالح أكثر من قواعد الشراكة.

أبعاد دولية أوسع

من جهته يرى الباحث السياسي أحمد المصري أن الأزمة تتجاوز خلافاً ثنائياً، إذ ترتبط مباشرة بالصراع الدولي الأوسع بين الولايات المتحدة من جهة وكل من الصين وروسيا من جهة أخرى.

ويشير المصري إلى أن القلق الأمريكي من الانفتاح الكندي على الصين ينبع من مخاوف تحويل كندا إلى بوابة تسمح لبكين بالالتفاف على القيود التجارية والتكنولوجية التي تفرضها واشنطن، في وقت تتوسع فيه المنافسة بين القوتين إلى مجالات الطاقة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد.

ويضيف أن روسيا حاضرة أيضاً في الخلفية، فالتوتر المستمر مع موسكو بسبب الحرب في أوكرانيا يدفع واشنطن إلى تعزيز التماسك مع الحلفاء الغربيين ومنع أي تصدعات قد تستفيد منها موسكو أو بكين لإعادة تشكيل موازين القوى العالمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى