تدور خلف كل حربٍ تُعلن على الخرائط حربٌ أخرى لا تُرى: حرب الظلال، حيث تعمل العقول لا البنادق وتدار المعارك عبر الخداع والرسائل المضلِّلة. عالم الاستخبارات هو الوجه الخفي للتاريخ؛ وقوده الذكاء، وأداته السرد، وسلاحه الأكبر أن يجعل خصمك يرى الحقيقة كما تريد أنت، لا كما هي. وفي هذا العالم، قد تغيّر ورقة واحدة مسار حملة عسكرية، وقد تفتح جثة مجهولة طريقاً لغزو كامل.
واحدة من أعجب العمليات التي جسّدت هذا المنطق بوضوح هي “عملية اللحم المفروم” التي نفّذتها الاستخبارات البريطانية في الحرب العالمية الثانية، وأصبحت لاحقاً مثالاً كلاسيكياً على أن الحروب قد تُحسم أحياناً في العقول أكثر مما تُحسم في الخنادق، ولُقّبت فيما بعد بفيلم سينمائي صدر في عام 2021.
في ربيع عام 1943، كان الحلفاء يخطّطون لغزو صقلية الإيطالية، وهو هدف استراتيجي كان واضحاً للألمان. في ظل حاجة الحلفاء إلى التقدم في الجبهة الأوروبية، رأى المخططون أن الغزو المحتمل لصقلية سيتوقعه هتلر تلقائياً، فكانت هناك حاجة ملحّة لتضليل القيادة الألمانية وتخفيف الضغط العسكري عنها.
التحايل الذي ابتكرته الاستخبارات البريطانية كان غير مسبوق؛ فقد جاءت بجثة رجل مجهول، ألبسته زي ضابط بريطاني، ووُضعت معه وثائق سرّية مزوّرة تحمل معلومات حساسة عن تحركات الحلفاء، من ضمنها أن الحلفاء سيغزون اليونان وسردينيا، لا صقلية.
اضطرّ المخططون لخلق “هوية كاملة” للضابط الوهمي المسمّى ويليام مارتن، فأرفقوا إلى جانب الوثائق العسكرية المزيفة رسائل حب، وتذاكر سينما، وفواتير مصرفية، وحتى صوراً لخطيبته المفترضة؛ وكلها تفاصيل تجعل الرواية أكثر صدقية لدى الألمان عند أول لقاء معهم.
نتيجة مذهلة
في صباح 30 أبريل 1943، أُلقيت الجثة في مياه البحر قبالة الساحل الجنوبي لإسبانيا، في موقع يرجح أن توصله أمواجها إلى الشاطئ ليُعثر عليها السكان المحليون ويبلغوا السلطات الإسبانية، التي سلّمت الوثائق للألمان الذين صدّقوا الخدعة.
استجابة لهذا التضليل، نقل الألمان قوات من صقلية إلى اليونان والبلقان، بينما هاجمت قوات الحلفاء صقلية في 9 يوليو 1943 بسهولة نسبية وبخسائر أقلّ مما كان متوقعاً. كانت العملية نقطة تحوّل في الحرب، فنجاح غزو صقلية أدّى إلى تسريع انهيار الإيطالية الفاشية وإضعاف نفوذ ألمانيا في الجبهة الجنوبية.
ليست وحدها
في عالم الاستخبارات، لم تقتصر الأفكار الغريبة والفعالة على هذه العملية وحدها، فقد طوّرت بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية نظام “العميل المزدوج” الذي اعتمد على أفراد يُقبَض عليهم أو يتواصلون طوعاً مع الحلفاء ليعيدوا بث معلومات مضللة عبر قنوات كانت الألمان يظنونها موثوقة.
هناك أيضاً عمليات أخرى ضمن استراتيجية أكبر مثل “عملية باركلي” التي مضت في نفس اتجاه التضليل في البحر المتوسط قبل غزو صقلية، و”عملية غرافهام” التي مثّلت خدعة سياسية لإيهام الألمان بأن الجيش المتحرك نحو النرويج كان هدفاً محتملاً للحلفاء.
وأيضاً “عملية كوبر هيد” الجريئة، والتي شارك فيها رجل يشبه القائد العسكري البريطاني مونتغومري، وكان الغرض منها زرع اعتقاد لدى الألمان بأن مونتغومري سيقود إنزالاً في موقع آخر، وهي خدعة انطلت عليهم.
هذه العمليات تعكس فلسفة الاستخبارات كنظام يعتمد على فهم نفسية الخصم، وخلق قصة تبدو قابلة للتصديق.
