
تواجه الأم صمت ابنها يوماً بعد يوم، وتعرف أن الصمت ليس هدوءًا بل سؤالًا مؤلمًا يتكرر: متى يتكلم ابني؟
في عالم التوحد، لا يكون غياب النطق مجرد تأخر لغوي، بل تجربة إنسانية تمس قلب الأسرة وتضع الأم أمام مخاوف وانتظار وأمل لا ينطفئ.
وتؤكد نتائج الدراسات التربوية أن مهارات التواصل اللفظي لدى أطفال طيف التوحد تتفاوت بين الاستيعاب التعبيري والتقليد الصوتي والسياق الكلامي، وأن قياس هذه المهارات وتطويرها يحتاج أدوات دقيقة ومقاييس نفسية تربوية متخصصة تفهم عمق المشكلات اللغوية لديهم.
أفق الذكاء الاصطناعي في علاج تأخر النطق والتوحد
ظهر مع تقدم تقنيات الذكاء الاصطناعي أفق جديد يتجاوز مجرد المصطلحات التقنية ليصبح أدوات تشخيص وعلاج ومراقبة دقيقة للتوحد، فهناك مراجعات بحثية حديثة أشارت إلى قدرة أنظمة التعلم الآلي والتعلم العميق على تحليل بيانات سلوك الأطفال المصابين بالتوحد وتطوير نماذج تصل إلى تشخيص عالي الدقة وتحديد أنماط الصمت وتحويلها إلى إشارات تواصل قابلة للتنفيذ.
كما تطرقت دراسات علمية إلى دور الذكاء الاصطناعي في علاج تأخر النطق، مبيّنة أن أنظمة تواصل مدعومة بالذكاء الاصطناعي لا تفرض لغة جاهزة على الطفل، بل تسهم في فهم أنماط تواصله غير التقليدية وتدعم تفاعلَه بالطرق المناسبة له.
قدم المركز الدولي للبحوث العلمية والإنسانية نماذج علمية ناجحة تستخدم تقنيات تحليل الأصوات وفهم اللغة كحلول علاجية مرنة وتفاعلية، لا تكتفي بتدريب الطفل على النطق بل تقيس تقدمه وتعيد ضبط الاستراتيجيات العلاجية تلقائيًا وفق بياناته الفردية، ما يسمح بمتابعة التطور خطوة بخطوة بعيدًا عن فرض نماذج موحدة.
وأشارت دراسة كلية التربية للطفولة المبكرة في جامعة القاهرة إلى فاعلية برنامج قائم على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تحسين السلوك اللفظي لدى أطفال طيف التوحد، إذ أظهرت التحليلات زيادة ملموسة في مستوى السلوك اللفظي بعد تطبيق البرنامج، ما يدل على أن هذه التقنيات بدأت ترى أثرها في الواقع البحثي.
وتؤكد أبحاث حديثة أن التكرار المنهجي والمتناغم مع الأجهزة التقنية يعزز استجابة الطفل ويحسن مهاراته اللغوية والإدراكية والتواصلية على المدى الطويل، مع الإيضاح أن التكنولوجيا ليست بديلاً عن الأخصائيين بل شريك في العلاج يمكنه توفير بيانات رصد دقيقة ورؤًى مبنية على كم هائل من المعلومات.
وما يجعل الذكاء الاصطناعي ذا قيمة ليس أنه يحل مكان الطفل بل لأنه يفتح باب فهم قدراته الكامنة، فالخوارزميات تتعلم من التكرار وتستخدم صوت الطفل وحركاته وأنماط استجابته لتتوقع ما قد يرغب في قوله، إضافة إلى أن أنظمة التواصل البديل والمعزز الذكية تعتمد على التعرّف التنبؤي للكلام والإيماءات لتحوّل الاختيارات البصرية على الشاشة وتغيرات الصوت إلى لغة مفهومة تشارك الطفل في مسار تواصله.
وعلى الرغم من هذه التطورات يبقى دور الأخصائي البشري حيويًا، فالذكاء الاصطناعي لا يلغي الحاجة إلى أخصائي التخاطب أو المعالجين النفسيين، بل يعمل شريكًا يحلل بيانات يصعب جمعها يزوّد الفريق العلاجي برؤى مستندة إلى كم هائل من المعلومات، بينما يظل التنفيذ والتقييم الإنسانيان في صلب العلاج.
الخلاصة أن ما تقدمه تقنيات الذكاء الاصطناعي في علاج تأخر النطق لدى الأطفال ذوي طيف التوحد ليس «لغة جديدة» تفرضها الآلة، بل نافذة فنية وعلمية تتيح للطفل التعبير عن ذاته بطرق ربما كانت مستحيلة أو بطيئة قبل دخول هذه التكنولوجيا، فتصوغ المعارف من علوم الأعصاب والتعلم الآلي والتربية الخاصة مشهدًا يشير إلى علاج للمستقبل يبدأ اليوم في المختبرات ويصل قريبًا إلى أسر تنتظر صوتًا يفهمها.