اخبار العالم

خلاف ترامب وماكرون: نهاية «رقصة التانغو»

بدأت الخلافات العلنية بين ترامب وماكرون تتسع وتتصاعد علناً، فباتت الخلافات بين واشنطن وباريس تُدار على الملأ بأدوات سياسية واقتصادية متداخلة، مع إعلان انتهاء «رقصة التانغو» بينهما.

أظهرت الأزمة الأخيرة نهاية وهم طويل في أوروبا بأن القوة الأمريكية يمكن ترويضها بالمجاملة والإعجاب المتبادل، بدل مواجهتها بتوازن استراتيجي حقيقي. تصدرت الخلافات قمة دافوس، واتخذت منحىً شبه شخصي حول ملف غرينلاند كعنوان للتباينات المتزايدة بين ضفتي الأطلسي.

الفتور خيّم على علاقة الرجلين منذ بداية ولاية ترامب، بدفع من تغريدات قوية وتصريحات نارية. ازداد ترامب انتقاداً لماكرون إلى الحد الذي لم يتوانَ فيه عن التنديد بـ«غبائه»، وتنكير النظارات التي يرتديها أثناء حضور منتدى دافوس، فضلاً عن كشف فحوى محادثات سرية بين الجانبين في محاولات لإذلاله، وهو ما رد عليه ماكرون بتصعيد الردود وتأكيد الاحترام المتبادل.

ويبدو أن الصوت الفرنسي الأعلى أوروبياً يهدف إلى إبراز الدور التاريخي لفرنسا في دعم الولايات المتحدة خلال الحرب مع البريطانيين بين 1775 و1883، ودعا في أكثر من مناسبة إلى مواجهة السياسات الأمريكية الجديدة، وحث الدول الأوروبية على التكتل للدفاع عن مصالحها، والعمل على استقلالها الدفاعي، واتخاذ القرارات السيادية بشأن القضايا محل الخلاف الدولي.

لكن دونالد ترامب، الحريص على إخضاع أوروبا لخيارته، لا تعجبه نبرة ماكرون الحادة، فاسم «ماكرون» يحضر سريعاً كلما أمسك الميكروفون، ولا تمر مناسبة تقريباً دون إشارة إلى الرئيس الفرنسي، في مشهد سياسي لا يخلو من طابع طريف يلفت الأنظار قبل العناوين.

تباعد في الرؤى

السجال العلني بين ترامب ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون يعكس تباعداً متجدداً في الرؤى بين ضفتي الأطلسي، وأثار تساؤلات حول مستقبل الشراكة بين واشنطن والعواصم الأوروبية.

مشهد يعكس مرحلة دقيقة من العلاقات الأمريكية الأوروبية تتداخل فيها المصالح الاستراتيجية مع حسابات النفوذ والقيادة العالمية، ويعكس تبايناً عميقاً في الرؤى داخل المعسكر الغربي، خاصة بشأن دور الناتو، ومستقبل العلاقات الاقتصادية، وحدود النفوذ الأمريكي في أوروبا والمناطق الاستراتيجية الحساسة.

ففي الوقت الذي يريد فيه ماكرون الحفاظ على مستوى الحوار، يقوم ترامب بإحراج الرئيس الفرنسي علناً. يقلد ترامب بانتظام لهجة ماكرون في ظهوره العلني، ما يجعله هدفاً للسخرية.

وجاءت صرخة ماكرون من قلب منتدى دافوس الاقتصادي، لتضع العلاقات عبر الأطلسي على فوهة بركان. فبينما اختار قادة أوروبيون لغة التهدئة، قرر ماكرون خوض «مبارزة» علنية، مؤكداً أن فرنسا وأوروبا لن تقبلا بدور «التابع» في عالم يحاول البعض تحويله إلى ساحة بلا قواعد. وقال إن قبول «استعمار جديد» لا معنى له. وأضاف: «نحن نفضل الاحترام على التنمر، وقانون الدولة على القسوة».

تسريب محادثة

وفي خطوة أثارت استياءً واسعاً في الأوساط الدبلوماسية، أقدم ترامب على نشر أجزاء من محادثات خاصة جمعته بماكرون، في محاولة لإظهار تناقض الموقف الفرنسي، الأمر الذي اعتبرته باريس خرقاً للأعراف الدبلوماسية، وتصعيداً غير مسؤول.

وشهدت الأيام الماضية لهجة أمريكية لاذعة تجاه ماكرون، حيث لم يكتفِ ترامب بانتقاد مواقف الرئيس الفرنسي، بل لجأ إلى السخرية العلنية، والتقليل من شأنه، واصفاً إياه بأنه «يهوّل الأمور»، و«يتحدث أكثر مما يفعل»، في إشارة إلى اعتراض باريس على التحركات الأمريكية المرتبطة بغرينلاند.

وقال ترامب وهو يخاطب النخبة العالمية في المنتدى الاقتصادي العالمي السنوي بالمنتجع الجبلي السويسري: «شاهدته بالأمس بتلك النظارات الشمسية الجميلة. ما الذي حدث بحق الجحيم؟»

وذكر مكتب ماكرون أنه اختار ارتداء النظارة الشمسية الداكنة العاكسة خلال خطابٍ ألقاه في مكان مغلق لحماية عينيه بسبب انفجار في أحد الأوعية الدموية.

وقالت مصادر قصر الإليزيه إن ترامب قال ردّاً على سؤال صحافي حول رفض ماكرون الانضمام إلى مجلس السلام: «ليس مضطراً للانضمام إذا كان سيغادر منصبه قريباً».

وظهر ترامب وهو يقلد صوت ماكرون قائلاً إن ماكرون رضخ تماماً لمطالبه بشأن ملف أسعار الأدوية الشائك، بحسب روايته.

ووفقاً لرواية ترامب، فإن التهديد كان سلاحه الوحيد لإجبار ماكرون على رفع أسعار الأدوية في فرنسا، حيث هدده بفرض ضرائب جمركية قاسية على المنتجات الفرنسية الشهيرة.

لم يعلق قصر الإليزيه على تصريحات ترامب الأخيرة، لكن مصدر في الإليزيه كان قد علق الشهر الماضي على تصريحات مماثلة لترامب ونفى من خلالها رفع الأسعار في فرنسا.

خلافات قديمة

وغني عن القول إن خلافات ترامب وماكرون قديمة، حيث واجه ماكرون عائقاً غير متوقع حين خروجه من مقر الأمم المتحدة في نيويورك في سبتمبر الماضي، إذ أُجبر على الانتظار بسبب مرور موكب ترامب.

وقبلها، شهدت قمة شرم الشيخ ومقر البيت الأبيض مصافحات غير مريحة بين الثنائي، حيث يحاول ترامب إظهار هيمنته بمصافحات متفاوتة، فيما يحاول ماكرون المقاومة لإظهار تماسك باريس في وجه الضغوط الأمريكية.

وفي عام 2018، زُرعت شجرة في حدائق البيت الأبيض رمزاً للصداقة بين ماكرون وترامب، لكنها تلفت لاحقاً مع بدء توتر العلاقة بينهما.

google.com, pub-7984506988189976, DIRECT, f08c47fec0942fa0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى