عام واحد على صعود ترامب… «عقيدة القوة» والهيمنة قبل التحالفات

برزت عقيدة القوة الأمريكية بوضوح في العام الأول من ولاية ترامب الثانية، مع انتقال الإدارة من الاعتماد التقليدي على التحالفات والشراكات إلى فرض النفوذ باستخدام القوة الصلبة.

وتجسدت هذه السياسة في عدد من الوقائع البارزة، منها التدخل السريع في فنزويلا واعتقال رئيسها، ثم تهديد دول الكاريبي لمنعها من التصرف بمعزل عن المصالح الأمريكية، إضافة إلى الضربات العسكرية على إيران في العام الماضي، وإعلان مجدداً عن استعداد واشنطن للتدخل بالقوة في حال استمرار قتل المتظاهرين في إيران، ما يعكس تصميم الإدارة على فرض قواعد اللعبة وفق مصالحها الاستراتيجية.

وكشفت نتيجة استطلاع لمركز بيو للأبحاث في سبتمبر 2025 أن حوالي 51% من الأمريكيين يرون أن ترامب يبالغ في استخدام الأوامر التنفيذية، مقابل 27% يرون أنها في الحد المناسب، و6% يرون أنه لا يستخدمها بما فيه الكفاية.

ويرى خبراء أن رفع الميزانية الدفاعية الأمريكية إلى مستويات قياسية، واستعراض القوة في مناطق نفوذ حيوية، يمثل تطبيقاً عملياً لعقيدة «السلام عبر القوة»، لكنه يثير تساؤلات حول استدامته في نظام دولي متعدد الأقطاب، حيث تتعاظم التحالفات المضادة وتقوى المنافسة الروسية والصينية. ورغم فعاليته التكتيكية، يظل الاعتماد الأحادي على القوة محفوفاً بمخاطر استراتيجية طويلة المدى قد تهدد الهيمنة الأمريكية.

استلهام تجربة ريغان

يؤكد د. محمد عطيف، أستاذ العلاقات الدولية، أن عقيدة «القوة الأمريكية» أو ما يعرف بـ Peace through Strength تجسد خلال الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب عودة واضحة إلى الواقعية الكلاسيكية في السياسة الخارجية، مستلهمة تجربة ريغان، ولكن بروح أكثر حدة وانفرادية.

ويرى أن استراتيجية الأمن القومي لعام 2025، إلى جانب رفع الميزانية الدفاعية إلى حدود 1.5 تريليون دولار وبلورة ما يسميه الباحثون «تعديل ترامب» على مبدأ مونرو، تؤكد على مركزية القوة العسكرية بوصفها أداة الردع الأساسية في مواجهة الخصوم ومصدر النفوذ العالمي لأمريكا.

ويتطرق عطيف إلى كيفية تنزيل هذه العقيدة عملياً، حيث يبرز عبر سلسلة من الضربات السريعة في فنزويلا وإيران واليمن، والتي أظهرت فعالية تكتيكية في كبح التهديدات ودفع الخصوم إلى التراجع، كما انعكست في إدارة وقف إطلاق النار الهش في غزة، أو في دفع بعض الدول إلى الانخراط في مسارات تفاوضية محددة.

ويضيف أن هذه السياسة تتوافق مع منطق «توازن القوة»، إذ لا تُوظّف القوة الأمريكية للدفاع فحسب، بل أيضاً لإعادة تشكيل البيئة الدولية بما يخدم المصالح الوطنية.

ويشير د. عطيف إلى المفارقات الداخلية لهذه العقيدة، إذ إن مناخ «عدم القدرة على التنبؤ» الذي يخلقه النهج الانفرادي يثير قلق الحلفاء التقليديين في «الناتو» وآسيا، وقد يدفع نحو بلورة تحالفات مضادة، من قبيل تعميق التقارب الروسي–الصيني.

كما أن التركيز المفرط على البعد العسكري يأتي أحياناً على حساب الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية، ما قد يؤدي إلى تآكل «القوة الناعمة» الضرورية للحفاظ على قيادة دولية مستدامة. في المحصلة، يوضح د. عطيف أن عقيدة ترامب تمثل انتقالاً نحو نمط من «الإمبريالية الواقعية» محدودة الأهداف، حققت نجاحات تكتيكية على المستوى القصير، لكنها تحمل مخاطر استراتيجي قد تُقوّض الهيمنة الأمريكية على المدى البعيد، خاصة إذا استمر الاعتماد على القوة العسكرية كأداة رئيسية لتسوية النزاعات الدولية.

نزعة إمبراطورية!

أما د. محمد بوبوش، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول في وجدة، المغرب، فيوضح أن ما يُعرف بـ«العقيدة الترامبية» (Trump Doctrine) تتبنى أطروحات واقعية بنيوية، يقوم جوهرها على السيادة المطلقة والقومية الاقتصادية، وهي تتبلور بشكل أساسي حول استراتيجية «أمريكا أولاً»، التي تقتضي التحلل من الالتزامات الدولية المتعددة الأطراف، والتمركز حول المصالح الوطنية المباشرة.

ويوضح بوبوش أن النهج الترامبي في السياسة الخارجية يتسم بما يسميه الباحثون «البراغماتية التعاقدية» أو عقلية الصفقات، حيث يُرهن الانخراط الأمريكي في القضايا الدولية، وبخاصة في منطقة الشرق الأوسط، بحجم المكاسب الاقتصادية والمنافع المادية المباشرة التي تؤول إلى الخزانة الأمريكية.

ويتطرق بوبوش إلى فلسفة القوة في العقيدة الترامبية، والتي تمحورت خلال العام الأول من ولاية ترامب الثانية حول استراتيجية «السلام من خلال القوة»، مؤكداً أن هذا المفهوم يعكس نزعة نحو الهيمنة الأمريكية المبنية على التفوق العسكري والزخم الاقتصادي كأدوات ضغط مباشرة، مع تراجع ملحوظ في الاعتماد على أدوات القوة الناعمة التقليدية مثل الدبلوماسية الثقافية والمؤسسات الدولية.

ويشير بوبوش إلى أن الإدارة الترامبية وظّفت القوة كأداة لإدارة الأزمات وتحقيق المكاسب التجارية، مظهرة ملامح «نزعة إمبراطورية» تتجلى في رؤية العالم كساحة للنفوذ والسيطرة، كما بدا في التوجهات الأمريكية تجاه ملفات مثل فنزويلا، والمقترحات المتعلقة بغرينلاند وبنما.

ويضيف أن هذه الرؤية تنطوي على منطق جيوسياسي يختزل العلاقات الدولية في معادلات صفرية، ويخضع التوازنات العالمية لمنطق الصفقات الثنائية والتسويات النفعية، ما يجعل مفهوم القوة الأمريكية في عهد ترامب أكثر تركيزاً على المصلحة المباشرة من الالتزام طويل الأمد بالمعايير الدولية أو الشراكات التقليدية.

Exit mobile version