عامٌ على صعود ترامب: تصفية الحسابات الداخلية

عاد دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في نوفمبر 2024 ليقود ولاية ثانية يتسم مسارها داخلياً بشدة الاضطراب، حيث تصاعد الصراع مع مؤسسات تقليدية وأجهزة رقابية ووسائل إعلام، ضمن مقاربة حكم تطرح أسئلة حول طبيعة السلطة وحدودها داخل النظام الأميركي.

وأظهر نهجه التنفيذي خياراً مباشراً يثير جدلاً، مع اشتعال المواجهة مع الكونغرس حول ميزانية الدفاع وسياسات العقوبات، ونزاعات قضائية مرتبطة بأوامر الهجرة والتوظيف الحكومي، إلى جانب اشتباك واسع مع الإعلام والمؤسسات الأكاديمية حول مفاهيم الشفافية والمساءلة.

وفي حين نجح أحيانا في فرض أجندته، مثل قرارات تجاه فنزويلا وتخفيف القيود عن بعض الاستثمارات العسكرية في الشرق الأوسط، اضطر في حالات أخرى إلى تعديل مواقفه تحت ضغط الداخل، خصوصاً في ملفات البرامج الاجتماعية وقضايا الهجرة.

تصفية الحسابات

يقول د. محمد بوبوش، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول، وجدة، المغرب، إن عودة ترامب إلى البيت الأبيض أعادت تشكيل المشهد السياسي الأميركي بشكل مثير للجدل، وتظهر الأوامر التنفيذية توجهاً مغايراً يصفه بـ«تصفية الحسابات» مع من يصفهم بـ«أعداء الشعب»، و«سحق الخصم من الداخل»، في إشارة إلى المسؤولين الحكوميين والجهاز البيروقراطي والقضاة ووسائل الإعلام، مع الإشارة إلى استدعاء رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي جيروم باول كأحدث مثال.

ويشير إلى أن إعادة انتخاب ترامب لولاية ثانية تمثل تهديداً لسيادة القانون والدستور والأعراف الديمقراطية، وأن خطاباته الانتقامية تعكس تحولاً خطيراً في السياسة الأميركية، إذ أصبح استخدام الدولة لمعاقبة الخصوم جزءاً من الخطاب الانتخابي والممارسة التنفيذية، وهو ما يثير قلقاً بشأن استقرار النظام السياسي الأميركي.

ويضيف أن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في أوائل 2026 جسّد عودة «عقيدة مونرو» بنسخة عسكرية خشنة، مؤكداً أن نجاح العملية في الإطاحة برأس النظام لم يمنع من فتح الباب أمام حالة من عدم اليقين الأمني في منطقة الكاريبي، مشيراً إلى أن هذه القضية تتجاوز الشأن الفنزويلي لتندرج ضمن إطار استراتيجي أوسع مرتبط بالتعامل مع أنظمة مصنفة كمهدّدة للمصالح الحيوية في المنطقة.

ويخلص إلى أن العام الأول من الولاية الثانية أثبت قدرته على «تحطيم الجمود»، مع مكاسب فورية في الداخل والخارج، ولكنه يحذر من أن الانحيازات والشروط التي فرضها ترامب قد قوضت النفوذ العالمي، تاركاً النظام الدولي أمام سؤال جوهري: هل القوة التي تفرض الصفقات قادرة على بناء استقرار مستدام؟

تعميق الانقسام

بينما ترى خبيرة العلاقات الدولية الأميركية د. أماني القرم أن العام الأول من الولاية الثانية يمكن توصيفه بأنه عام «عدم اليقين والقلق الدائم»، إذ لم تؤدِّ الاستقطابات الداخلية إلى كبح سياسات الإدارة، بل أسهمت في تعميق الانقسام داخل الولايات المتحدة وعلى الساحة الدولية، إلى حد الحديث عن ملامح أزمة هيكلية في النظام الأميركي.

وتوضح القرم أن قدرة الإدارة على التحرك خارجياً ارتكزت على ما تصفه بـ«القوة الثلاثية»، الناتجة عن الفوز الساحق في انتخابات 5 نوفمبر 2024، والذي منح ترامب تفويضاً شعبياً واسعاً وسيطرة جمهورية على البيت الأبيض والكونغرس، إضافة إلى أغلبية حكام الولايات، وهذا وفّر للرئيس شبكة أمان سياسية سمحت له بتنفيذ أجندته الخارجية دون قيود مؤسسية تذكر، غير أن هذا التفويض لم ينعكس إيجاباً على صورة الولايات المتحدة عالمياً بل أسهم في إضعافها.

فالانقسام لم يقتصر على الخلافات الحزبية بل طال القيم والهوية، وأضعف الخطاب الأميركي التقليدي القائم على المؤسسية والانضباط في التعامل مع الحلفاء. وتستشهد بسلسلة مواقف مثيرة للجدل، مثل الدعوة لضم كندا، وتبني فكرة السيطرة على غرينلاند، والسياسات تجاه روسيا وأوكرانيا، ورفع التعريفات الجمركية، وصولاً إلى اعتقال مادورو، معتبرة أنها تعكس قلقاً عالمياً من سلوك واشنطن وأحدثت شرخاً داخل التحالف الغربي استفادت منه الصين وروسيا.

وتؤكد القرم أن الانقسام تعمّق بفعل سياسات الهجرة والهوية، وكثافة اللجوء إلى الأوامر التنفيذية التي بلغت 225 أمراً، ما يثير تساؤلات حول قدرة المؤسسات على ضبط صلاحيات الرئيس. وتخلص إلى أن الانقسام بات يطال الحزب الجمهوري نفسه بين قياداته التقليدية وقاعدة «ماجا»، ما يعمّق حالة عدم اليقين داخلياً وخارجياً.

Exit mobile version