نؤكد الالتزام بمواصلة العمل على تعزيز نماء الأسرة وتماسكها ودورها في بناء الإنسان وتنشئة الأجيال على حب الوطن والانتماء إليه والالتزام بقيمه ومبادئه، فتمكين الأسرة أولوية وطنية ومسؤولية اجتماعية مشتركة، والاستثمار فيها استثمار في مستقبل الإمارات واستدامة نهضتها.
وشكلت الأسرة في دولة الإمارات منذ القدم عموداً فقرياً للمجتمع والأساس الذي بنيت عليه منظومة القيم والعلاقات الاجتماعية، ففي مجتمع ارتبط بالبحر والصحراء وتحديات الطبيعة وشظف العيش، كانت الأسرة هي الحصن الأول للإنسان ومصدر الأمان والاستقرار والإطار الذي تغرس فيه القيم النبيلة مثل التضامن والتكافل والاعتماد المتبادل.
المدرسة الأولى
وفي مرحلة ما قبل قيام الاتحاد، اتسمت الأسرة الإماراتية بطابعها الممتد حيث كان الجد والأبناء والأحفاد يعيشون في كنف واحد تجمعهم روابط الدم وتقويهم وحدة المصير، وتقوم العلاقات الأسرية على الاحترام العميق للكبير والتراحم مع الصغير والتعاون في مواجهة أعباء الحياة، وكانت الأسرة المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الأبناء القيم الدينية والاجتماعية، ويشربون حب الأرض والوطن والاعتزاز بالهوية، وساهم هذا النموذج في بناء مجتمع متماسك ومتعاون قادر على الصمود.
بزوغ فجر الاتحاد وبناء الإنسان
ومع بزوغ فجر الاتحاد عام 1971 دخلت الأسرة الإماراتية مرحلة تاريخية جديدة اتسمت بالتحول والتمنية الشاملة، فقد أدركت القيادة الرشيدة أن بناء الدولة لا يقوم إلا ببناء الإنسان في كنف أسرة مستقرة ومتماسكة، ومن هذا المنطلق وُضعت الأسرة في قلب المشروع الوطني باعتبارها النواة الأساسية التي ينطلق منها بناء المجتمع والدولة. انعكست ذلك في سياسات مبكرة ركزت على التعليم والصحة والإسكان والعمل كركائز تدعم استقرار الأسرة وتحسن جودة حياتها.
طفرة تنموية
وخلال العقود الأولى من عمر الدولة شهدت الأسرة اهتماماً متزايداً تزامناً مع الطفرة التنموية في مختلف القطاعات، فقد أتاح التعليم المجاني لأبناء الدولة فرصاً غير مسبوقة للمعرفة والارتقاء الاجتماعي، وأسهم في رفع الوعي الأسري وتطوير أساليب التربية، كما وفرت الرعاية الصحية الشاملة والإسكان الميسر والدعم الاجتماعي ما خفف الأعباء المعيشية ومكّنها من التركيز على دورها التربوي والاجتماعي. وفي الوقت ذاته حرصت القيادة على الحفاظ على القيم الأسرية الأصيلة وعدم التفريط بها في خضم التحديث، فكان التوازن بين الأصالة والمعاصرة سمة بارزة للتجربة الإماراتية، حيث تطورت أنماط الحياة وتغيرت أشكال السكن والعمل، لكن جوهر الأسرة ظل قائماً على التماسك والاحترام والتكافل، ما أسهم في حماية النسيج الاجتماعي وتعزيز الانتماء والاستقرار النفسي لدى الأفراد.
تحولات اجتماعية
ومع تسارع التحولات الاجتماعية والاقتصادية، واجهت الأسرة الإماراتية تحديات جديدة تمثلت في الانتقال التدريجي من الأسرة الممتدة إلى النووية وتمكين المرأة بدخولها بقوة إلى ميادين التعليم والعمل، وأدركت القيادة الرشيدة أن هذه التحولات تحمل إيجابيات لكنها قد تفرض ضغوطاً جديدة، ما استدعى تطوير سياسات وتشريعات اجتماعية مرنة تحمي الأسرة وتدعم تماسكها وتساعدها على التكيف مع متطلبات العصر دون المساس بثوابتها.
وفي هذا السياق تعزز الاهتمام الرسمي بقضايا الأسرة وبرزت برامج ومبادرات تهدف إلى دعم الاستقرار الأسري وتعزيز جودة الحياة داخل البيت الإماراتي، وشمل ذلك تنظيم الزواج وتشجيع تكوين الأسر ودعم الأمومة والطفولة وتوفير الإرشاد الأسري، إلى جانب سن تشريعات تحمي حقوق أفراد الأسرة وتضمن بيئة آمنة ومستقرة للجميع، كما توج ذلك بإطلاق وزارة تُعنى بملف الأسرة وتعزيز دورها في المجتمع.
زخم جديد
وفي بداية العام الجاري، اكتسب ملف الأسرة زخماً جديداً مع إعلان صاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله، عام 2026 عاماً للأسرة، حيث يعد ذلك محطة تاريخية مفصلية في مسيرة الاهتمام بالأسرة الإماراتية، إذ جاء العام تتويجاً لمسار طويل من السياسات والمبادرات التي سلطت الضوء على مكانة الأسرة بوصفها نواة المجتمع ومحور التنمية الإنسانية وأساس الاستقرار الاجتماعي. ولا يعد تخصيص عام 2026 عاماً للأسرة مناسبة رمزية فحسب بل إطاراً وطنياً شاملاً لتوحيد الجهود وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية بشؤون الأسرة؛ فهو يعيد التأكيد على أن تعزيز نماء الأسرة وتماسكها مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تكامل الأدوار بين الحكومة والمجتمع والأسرة نفسها ومراجعة السياسات وتطوير البرامج التي تعالج احتياجات الأسرة في مراحلها المختلفة من ما قبل الزواج إلى تكوين الأسرة وصولاً إلى رعاية الأبناء.
حلقة الوصل
ولم يغفل هذا التوجه أهمية كبار المواطنين الذين يشكلون الذاكرة الحية وحلقة الوصل بين الماضي والحاضر، فقد أكدت سياسات «عام الأسرة» تعزيز مكانة كبار السن داخل الأسرة والاستفادة من خبراتهم وترسيخ ثقافة البر والتواصل بين الأجيال، كما شملت الجهود دعم أصحاب الهمم ودمجهم في المجتمع وتعزيز دور الأسرة في تمكينهم، بما يعكس القيم الإنسانية العميقة التي يقوم عليها المجتمع الإماراتي.
في عام 2026 تقف الأسرة الإماراتية على أرضية صلبة بفضل الرؤية القيادية الرشيدة والسياسات الاجتماعية المتكاملة وتجربة تاريخية غنية أثبتت أن الاستثمار في الأسرة هو الاستثمار الأكثر استدامة؛ فأسرة مستقرة ومتماسكة تعني مجتمعاً متلاحماً واقتصاداً أكثر إنتاجية ومستقبلاً أكثر أمناً واستقراراً.
