أظهرت نتائج دراسة حديثة أن حدة البصر لدى الأطفال الخدج قد تكشف عن مستقبل نموهم العقلي والحركي، فالأطفال الذين يولدون مبكرًا ويعانون من ضعف حدة البصر يظهرون في سن الخامسة والنصف بمخاطر أعلى لمشاكل في القدرات الذهنية والتنسيق الحركي والسلوك الاجتماعي.
العين والرؤية كمرآة لتطور الدماغ
أجرى فريق بحثي فرنسي تحليلًا موسعًا لمجموعة كبيرة من الأطفال المولودين مبكرًا لتقييم العلاقة بين كفاءة الإبصار المبكرة ونمو الدماغ ووظائفه، وشمل ذلك 1787 طفلًا وُلدوا بين الأسبوعين الرابع والعشرين والثاني والثلاثين من الحمل، وتابعهم منذ ولادتهم حتى بلوغهم سن خمس سنوات ونصف.
قسم الباحثون الأطفال بحسب مستوى الرؤية إلى ثلاث فئات: رؤية كاملة (10/10)، رؤية متوسطة (8/10)، ورؤية ضعيفة، وأُجريت مجموعة من الاختبارات الدقيقة لقياس القدرات العقلية والحركية والسلوكية باستخدام أدوات علمية معترف بها عالميًا مثل مقياس وكسلر لذكاء مرحلة ما قبل المدرسة (WPPSI-IV) لتقييم الذكاء، واختبار الحركة للأطفال (MABC-2) لتقدير المهارات الحركية الدقيقة، بالإضافة إلى استبيان نقاط القوة والصعوبات (SDQ) الذي تعبّئه الأسر لرصد التحديات السلوكية لدى الطفل.
أظهرت النتائج أن أكثر من ستين بالمئة من الأطفال الخدج يعانون من ضعف في حدة البصر مقارنة بالأقران المولودين بشكل طبيعي، وأن انخفاض القدرة البصرية ارتبط بانخفاض معدلات الذكاء العام، حيث سجل الأطفال الذين كانت رؤيتهم أقل من المثالية درجات ذكاء أقل بنحو 3 إلى 5 نقاط، كما أظهرت التحاليل أن المهارات الحركية الدقيقة، مثل التحكم في اليدين والتنسيق بين النظر والحركة، كانت أقل بنحو نقطة كاملة، وتزايدت صعوبات السلوك الاجتماعي والانفعالي.
يُفسَّر هذا الترابط بأن التطور البصري المبكر ليس مجرد وظيفة بصرية، بل هو مرآة لنضج الدماغ واتصاله العصبي، فالشبكات العصبية في الدماغ تتطور في السنوات الأولى غالبًا بناءً على المدخلات البصرية، وأي تأخر في تحفيز العين أو ضعف استقبال الصور يؤدي إلى بطء في تشكيل الروابط المسؤولة عن الانتباه واللغة والتعلم الحركي، وهذا الخلل يكون أبلغ لدى الأطفال المولودين مبكرًا لأن أجهزتهم العصبية لم تكتمل داخل الرحم مما يجعلهم أكثر عرضة للنقص في التحفيز الحسي خلال الأشهر الأولى من الحياة.
توجه الرسالة العملية إلى الأطباء والآباء بأن الكشف المبكر عن مشكلات الرؤية عند الأطفال الخدج قد يغيّر مسار حياتهم، فكل نقطة يتم اكتشافها مبكرًا يمكن أن تعني فارقًا في مستوى الذكاء أو الأداء الدراسي لاحقًا. وتوصي بإخضاع كل طفل مولود قبل أوانه لفحص بصري منتظم ابتداء من عمر ستة أشهر، ثم متابعة تطور قدرته البصرية حتى مرحلة ما قبل المدرسة. وتشير إلى أن التدخلات المبكرة مثل تمارين تحفيز البصر، والعلاج البصري، واستخدام العدسات المناسبة في الوقت الصحيح يمكن أن تعزز من تطور الدماغ وتقلل الفجوة بين الأطفال الخدج وأقرانهم.
