
يعاني بعض المراهقين من اضطراب تأخر مرحلة النوم والاستيقاظ، وهو حالة بيولوجية تجعل النوم يبدأ عادة بعد منتصف الليل والاستيقاظ صعبًا في الصباح.
يُعد هذا الاضطراب ليس مجرد تأخر بسيط في موعد النوم، بل خللًا في إيقاع الساعة الحيوية يجعل توقيت النوم متأخرًا بنحو ساعات عن النمط الطبيعي، ما يترك المصاب مع حرمان من النوم يؤثر على المزاج والتركيز والتحصيل الدراسي.
يتخفّى هذا الاضطراب خلف الأرق والكسل، حيث ينام المصاب فقط عندما تسمح له ساعتهم البيولوجية بالنوم، وهو ما يتعارض مع جداول المدرسة والأنشطة اليومية.
عوامل وتداخلات تؤثر في الاضطراب
تشير الأبحاث إلى وجود علاقة معقدة بين اضطراب تأخر النوم و ADHD ومتلازمة تململ الساقين، وفي أحيان كثيرة تتحد هذه العوامل في ما يُوصف بـ”الثالثة المدمّرة”. فمع فرط النشاط إلى جانب اضطراب النوم تتزايد صعوبة التركيز وتزداد مخاطر القلق والاكتئاب، كما أن الحرمان المستمر من النوم قد يحفز تململ الساقين خاصة عند وجود نقص في الحديد.
ويمثل نقص الفيريتين، مخزون الحديد الأساسي، عاملًا يؤثر في تنظيم الدوبامين في الدماغ وهو ناقل عصبي يشارك في التحكم بالنوم والحركة، لذا فإن فحص مستوى الحديد يعد خطوة مهمة في التقييم المتداخل لهذه الحالات.
يتأثر توقيت النوم بشكل مباشر بالضوء؛ قلة ضوء النهار مقابل الإضاءة الزرقاء من الشاشات ليلاً يربك الساعة البيولوجية. لذلك يُنصح المصابون بالتعرض لضوء صباحي مبكر، إما بالخروج إلى الضوء الطبيعي أو باستخدام العلاج الضوئي الموجّه لإعادة ضبط الإيقاع تدريجيًا.
تشكل الرياضة أحد أقوى الوسائل الطبيعية لتحسين النوم، لكنها سلاح ذو حدين. فالتمارين المسائية تثير الجهاز العصبي وتؤخر النوم، لذا يُفضل ممارستها في وقت الظهيرة أو بعد الغداء، حتى يساعد ذلك في رفع حرارة الجسم ثم انخفاضها لاحقًا عند المساء لتهيئة النوم ليلاً.
يساعد الالتزام بروتين يومي ثابت في النوم والاستيقاظ والطعام والتعرّض للضوء على إعادة تدريجيًا التوازن البيولوجي الذي فقده المراهق.
رعاية متكاملة وليست دواءً واحدًا
يتطلب إدارة هذا الاضطراب نهجًا متعدد التخصصات يشمل الطبيب النفسي، وطبيب النوم، والأخصائي السلوكي. يُعد العلاج الزمني (Chronotherapy) والعلاج السلوكي من أنجح الأساليب في هذا المجال، حيث يعاد جدولة مواعيد النوم تدريجيًا مع وضع قواعد صارمة لاستخدام الشاشات، بما في ذلك منع التعرض لها قبل النوم بساعة على الأقل.
في الحالات التي تقترن بقلق شديد أو تململ الساقين، قد تُستخدم أدوية مهدئة خفيفة أو مكملات الحديد، لكن بعد تقييم شامل من الطبيب المختص.
إنذار مبكر لصحة المراهق النفسية
يحذر الأطباء من تجاهل اضطرابات النوم المزمنة في سن المراهقة، إذ تُعد من أقوى عوامل الخطر الممهّدة للاكتئاب والأفكار الانتحارية. فالنوم ليس رفاهية، بل إعادة شحن حيوية للدماغ والجسد.
عندما لا يحصل المراهق على نوم عميق وكافٍ، تتعطل قدرته على التفكير بوضوح وتضطرب المشاعر وتقل الطاقة على التعلّم والحياة.