
أصبح التعافي من سرطان القولون والمستقيم أكثر فاعلية مع مرور الوقت، لكن رحلة التعافي منه لا تنتهي عند الجراحة أو العلاج الكيميائي، وتواجه كثير من المرضى تحديات طويلة الأمد أبرزها الإرهاق المزمن وضعف اللياقة البدنية.
وقدمت دراسة حديثة بصيص أمل من خلال إظهار أن ممارسة المشي المنتظم قد تكون من أهم وسائل دعم الحالة العامة خلال مرحلة التعافي.
أوضحت نتائج الدراسة الواسعة التي عرضت في مؤتمر الجمعية الأمريكية لعلم الأورام السريري (ASCO 2026) أن ممارسة المشي بشكل منتظم بعد تشخيص سرطان القولون والمستقيم قد تقلل من حدة التعب وتُحسن جودة الحياة خلال العامين الأولين من التشخيص.
تفاصيل الدراسة وأهم نتائجها
تتبعت الدراسة أكثر من 1700 مريض أُصيبوا بسرطان القولون والمستقيم، جرى تقييم نشاطهم البدني في فترات مختلفة بعد 6 و12 و24 شهرًا من التشخيص باستخدام استبيانات دقيقة تقيس دقائق النشاط الأسبوعي ومستوى الجهد المبذول. ثم قُسِّم المشاركون إلى ثلاث فئات: نشاط منخفض (<600 دقيقة/أسبوع)، نشاط متوسط (600–3000 دقيقة)، ونشاط مرتفع (>3000 دقيقة/أسبوع).
وبينما شملت الدراسة أنشطة مختلفة كتمارين المقاومة والأنشطة الهوائية، كان المشي المنتظم هو النشاط الأبرز الذي أظهر تأثيراً مستمراً وإيجابياً على المدى الطويل.
أوضح الباحثون أن المرضى الذين واظبوا على المشي لعدة أشهر بعد العلاج أبلغوا عن انخفاض كبير في معدلات التعب وتحسن في الطاقة والنوم والتركيز، مقارنة بالمرضى الأقل نشاطًا. بل إن التحسن لم يكن لحظيًا، بل تزايد تدريجيًا مع مرور الوقت، وهو ما يعكس دور المشي في بناء قدرة التحمل البدني والنفسي لدعم التعافي الكامل.
لماذا المشي بالتحديد؟
يرى الباحثون أن المشي، رغم بساطته، له تأثيرات علاجية متعددة: فهو يحفز الدورة الدموية، يحافظ على كتلة العضلات، يقلل الالتهابات المصاحبة لعلاج السرطان، ويساعد في تنظيم النوم وتحسين المزاج عبر إفراز الإندورفين. وتشير التحليلات إلى أن المشي بوتيرة معتدلة نحو 30 إلى 45 دقيقة يوميًا كافٍ لإحداث فرق واضح دون الحاجة لمجهود بدني شاق.
الإرهاق.. عرض مزمن يحتاج إلى علاج مختلف
يُعد الإرهاق الناتج عن السرطان أحد الأعراض الأكثر استنزافًا، إذ يعاني نحو 40% من الناجين من تعب مستمر يمتد لسنوات بعد انتهاء العلاج. ورغم وجود المكملات والأدوية الداعمة، فإن كثيراً من هذه الأساليب لا تحقق النتائج المرجوة. أما الرياضة، وخصوصاً المشي المنتظم، فتمثل خياراً آمناً وغير دوائي يساعد في تنشيط الجسم واستعادة توازنه. أضافت الباحثة الدكتورة لويزا ليو أن الحفاظ على مستوى ثابت من النشاط هو العامل الأهم في التحسن وليس مجرد زيادة موقتة في الحركة، مؤكدة أن التحسن الحقيقي يأتي من الاستمرارية في عادة يومية تبقي المريض في حركة مستمرة.
تأكيد من خبراء الأورام
أوضح الدكتور جويل سالتزمان، أخصائي أورام الجهاز الهضمي في كليفلاند كلينك، أن النتائج تُعد خطوة مهمة نحو إدراج مفهوم “إعادة تأهيل مرضى الأورام” ضمن برامج الرعاية اللاحقة للعلاج، تماماً كما هو الحال في إعادة تأهيل مرضى القلب. وأشار إلى أن النشاط البدني المنتظم لا يخفف التعب فحسب، بل قد يساهم أيضاً في رفع معدلات البقاء على قيد الحياة على المدى الطويل، مستنداً إلى دراسات سابقة أظهرت أن ممارسة الرياضة بعد علاج سرطان القولون تساعد في الحد من عودة الورم.
ما الذي تعنيه النتائج للمرضى؟
ابدأ بالحركة ولو بخطوات قليلة يوميًا، فحتى الأنشطة المعتدلة يمكن أن تغيّر شكل التعافي من السرطان. ولا يتطلب الأمر أدوات أو صالات رياضية، فقط التزام المشي يوميًا وتحت إشراف طبي للتأكد من ملاءمة الحالة الصحية للمريض.