
يتفاوت إحساس الإنسان بالبرد رغم تماثل الظروف المناخية، ويعكس ذلك تعقيد آليات التنظيم الحراري في الجسم التي تتجاوز مجرد قياس الحرارة المحيطة.
يتحكم جهازنا الحراري في الإحساس بالبرد عبر محرك حرارة داخلي يتكوّن من مستقبلات عصبية وهرمونية تقع تحت الجلد وتُرسل إشارات سريعة إلى المراكز الدماغية عند انخفاض الحرارة، لتعمل كـ”نظام إنذار خارجي” للجسم.
توجد أنواع أخرى من المستقبلات داخل الجهاز العصبي قرب الحبل الشوكي وتستجيب للتغيرات الكيميائية داخل الجسم بدلاً من العوامل المحيطة، وتتابع إشارات الهرمونات والبروتينات لتحديد درجة حرارة الجسم الحقيقية، وهذا يفسر لماذا قد يذكر شخصان في مكان واحد أنهم يشعرون بالدفء والبرد في آن واحد.
يؤثر المركّب المنثول المستخلص من النعناع في مستقبلات البرودة في الدماغ، فترسل إشارات تشبه ما يحدث عند انخفاض الحرارة، مما يمنح إحساسًا بالبرودة حتى في أجواء معتدلة، وهذا وراء استخدام المنثول في مستحضرات التجميل والمراهم لتوفير إحساس بالبرودة سريعًا.
الجينات وتفاوت التحمل للبرد
تكشف بعض الدراسات أن العوامل الوراثية تحدد مدى تحملنا للبرد، فبعض الأشخاص يفتقدون بروتينًا عضليًا يسمى ألفا أكتينين-3 المسؤول عن سرعة ارتجاف العضلات عند انخفاض الحرارة، وفقدان هذا البروتين يجعل العضلات تُنتِج حرارة بشكل أبطأ، ما يمنح هؤلاء قدرة أكبر على مقاومة البرد دون ارتجاف مستمر.
الرياضة والدورة الدموية
تسهم اللياقة البدنية في تنظيم حرارة الجسم عبر تحسين الدورة الدموية وتوزيع الحرارة داخليًا، فيكون الأشخاص النشطاء أقل شعورًا بالبرد، بينما يعاني من ضعف الدورة الدموية من برودة الأطراف حتى في حرارة جسم طبيعية.
الهرمونات والمزاج
تؤثر التغيرات الهرمونية، خاصة خلال سن اليأس أو الدورة الشهرية، على تنظيم الحرارة وتفاقم نوبات الحرارة المفاجئة أو الشعور بالبرد دون سبب، كما تلعب الحالة النفسية دورًا واضحًا؛ فالقلق أو الاكتئاب قد يغيّر استجابة الجهاز العصبي ويجعل بعض الأشخاص أكثر حساسية للبرد من غيرهم.
عندما يكون عدم الإحساس بالبرد علامة مرض
يمكن أن يشير ضعف الإحساس بالبرد إلى خلل في الأعصاب الطرفية أو اضطرابات هرمونية مثل قصور الغدة الدرقية وفقر الدم، وهذا قد يضعف قدرة الجسم على إرسال إشارات دقيقة للدماغ حول الحرارة، ما يجعل الشخص يبدو غير متأثر بالجو المحيط، ويتطلب متابعة الأعراض إذا صاحبتها وخز أو فقدان إحساس.
كيف يوظف الطب هذه الحقيقة؟
يسعى العلماء إلى استخدام مستقبلات البرودة والحرارة في تطوير علاجات الألم المزمن، فالكريمات المحتوية على مركبات تشبه الكابسيسين تشغل مستقبلات مشابهة وتقلل الإحساس بالألم، فيما قد يساعد فهم آليات عمل هذه المستقبلات في الحبل الشوكي في علاج إصابات الأعصاب وتنظيم الإحساس بالألم والحرارة لدى المرضى.