منوعات

د. سمر أبو الخير تكتب: هل يمكن لصلاة التراويح أن تساعد فى علاج تأخر النطق عند الأطفال؟

تتزين الشوارع وتُضيء المآذن بالألوان المبهجة، وتصدح المساجد في صلاة التراويح وتتهيأ الأجواء الروحانية التي تشد الأنظار إلى ليالي رمضان.

في هذا المشهد الإيماني الجميل، يختلط البكاء بالخشوع، وتخرج من أفواه الأطفال مقاطع تلاوة متقطعة تشكل لحظة يلاحظها علماء النفس والطفولة والتخاطب، ما يدفع إلى المطالبة بمشاركة الأطفال، وبخاصة مصابي تأخر النطق، في أجواء رمضان وصلاة التراويح، لأنها قد تسهم في دعمهم نفسيًا واجتماعيًا بل وربما علاج تأخر الكلام في بعض الحالات.

تأخر النطق (Speech Delay) يعني أن الطفل ينتج أصواته وكلماته بصورة أبطأ من المعتاد لعمره، مع احتمال أن الفهم اللغوي سليم، وهو يختلف عن اضطرابات اللغة التي تمس الفهم والتعبير معًا.

وتؤكد الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال أن التدخل المبكر يمثل عنصرًا حاسمًا، لأن السنوات الأولى من العمر تشكل فترة حساسة في تكون الشبكات العصبية المسؤولة عن اللغة.

الإطار العصبي واللغوي

من منظور علم الأعصاب تتطور النظم اللغوية عبر مسارات دماغية تشمل مناطق مثل منطقة بروكا المسؤولة عن إنتاج الكلام ومنطقة ويلنيك المعنية بفهمه، وهذه المسارات لا تنمو في فراغ بل تحتاج إلى تحفيز سمعي مستمر وتفاعل إنساني مباشر.

وتشير الدراسات إلى أن التعرض للأصوات الإيقاعية المنتظمة قد يعزز التمييز السمعي ويقوي مهارات المعالجة الصوتية، وهي مهارات أساسية لبناء النطق الصحيح.

في هذا السياق يمكن اعتبار صلاة التراويح بيئة صوتية مميزة، فالتلاوة القرآنية تقوم على إيقاع منتظم وتكرار لفظي وضبط لمخارج الحروف ونغمة لحنية مستقرة، وهذا النموذج الصوتي يمثل شكلاً من أنواع التحفيز السمعي قد يسهم في تنشيط الانتباه السمعي لدى الطفل.

وتشير أبحاث القراءة الجهرية إلى أن الاستماع المستمر للنصوص المقروءة وتقليل التعرض للشاشة يحسن المفردات ويعزز النطق، خاصة حين يقترن الاستماع بحوار تفاعلي بين الطفل والبالغ.

ومع ذلك فالفرق الحاسم أن العلاج التخاطبي لا يعتمد على الاستماع فقط، بل على المحاكاة الصوتية والتغذية الراجعة المباشرة والتدريب على مخارج الحروف، لذا إن اقتصر حضور الطفل على الاستماع فتصبح الفائدة محدودة ضمن التحفيز العام، ولا توجد حتى الآن دراسات محكمة تؤكد أن صلاة التراويح علاج طبي لتأخر النطق وفق معايير الدليل العلمي.

إلى جانب ذلك، تسهم الأجواء الروحية في تخفيف قلق الأسرة وتوفير بيئة اجتماعية تسمح بالملاحظة والتعلم بالملاحظة من خلال تقليد حركات الشفاه ونبرات الصوت، وهو ما يعزز التعلم اللغوي بشكل غير مباشر.

كيفية توظيف أجواء التراويح كتعزيز إضافي

تجنبوا الاعتماد على التراويح كعلاج بديل، بل استخدموها كجزء من بيئة داعمة: شجعوا الطفل على ترديد كلمات بسيطة، وأعيدوا أمامه بعض المفردات ببطء ووضوح، وشرحوا له معاني بسيطة تناسب عمره، وراعوا التواصل البصري أثناء التلاوة، وقللوا التعرض للشاشات وخصصوا وقتًا للحديث والاستماع مع الطفل.

خلاصة الأمر أن صلاة التراويح ليست علاجًا طبيًا لتأخر النطق، لكنها بيئة صوتية وروحية داعمة ضمن منظومة متكاملة تشمل التقييم السمعي وجلسات التخاطب والتفاعل الأسري اليومي، مع الحفاظ على توازن بين الروحانية وتوفير بيئة لغوية غنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى