
قصة الاكتشاف: أول حقنة أنسولين في التاريخ غيرت مصير مرضى السكر
فتح تشخيص الإصابة بالسكري من النوع الأول بابًا جديدًا في الطب، فكان المرض في ذلك الحين قاتلًا، وتفتقر العلاجات الفعالة، وكان المرضى غالبًا من الأطفال يواجهون الموت خلال شهور أو سنوات نتيجة ارتفاع سكر الدم ومضاعفاته.
بداية فكرة البحث
وفقًا لمصدر Diabetes تعود القصة إلى الجراح الكندي فريدريك جي بانتينج، الذي لم يكن عالم فسيولوجيا، بل كان يملك فضولًا علميًا كبيرًا. في أكتوبر 1920 قرأ مقالًا علميًا يشير إلى أن الخلايا المنتجة للأنسولين في البنكرياس، جزر لانجرهانس، قد تبقى سليمة لفترة أطول من بقية أنسجة البنكرياس عند حدوث انسداد في القناة البنكرياسية.
خطرت له فكرة: ماذا لو أمكن عزل هذه الخلايا واستخلاص المادة المسؤولة عن تنظيم سكر الدم دون أن تتلف؟
واجهت المحاولات السابقة للفصل فشلًا بسبب تحلل الهرمون أثناء الاستخلاص. أدرك بانتينج أنه يجب العمل داخل بيئة بحثية متخصصة لاختبار فكرته.
في 7 نوفمبر 1920 توجه إلى أستاذ الفسيولوجيا في جامعة تورنتو، جون ماكلويد، وعرض عليه فكرته.
وافق ماكلويد على منحه مساحة في المختبر خلال الصيف، كما أسند إليه طالب الدراسات العليا تشارلز بيست لمساعدته في قياس مستويات الجلوكوز في الدم.
في 17 مايو 1921 بدأ العمل التجريبي باعتماد ربط القناة البنكرياسية في الكلاب، ما أدى إلى تدهور الخلايا المفرزة للإنزيمات الهاضمة مع الحفاظ نسبيًا على جزر لانجرهانس.
بعد ذلك، استخلصوا المادة من البنكرياس وحقنوها في كلاب أزيل بنكرياسها لإحداث حالة سكر تجريبية.
لحظة الاختراق العلمي
رغم الإخفاقات الأولى، ظهرت النتائج تدريجيًا في نوفمبر 1921 عندما تمكن الفريق من إبقاء كلب مصاب بالسكري حيًا لمدة 70 يومًا باستخدام المستخلص الجديد.
كانت مستويات السكر في الدم تنخفض بوضوح بعد الحقن، ما أكد أنهم أمام اكتشاف حقيقي. لكن الطريق لم يكن سهلًا؛ فالمستخلص كان غير نقي، وقد يسبب تفاعلات خطيرة إذا استخدم على البشر.
تنقية الأنسولين
انضم إلى الفريق في ديسمبر 1921 عالم الكيمياء الحيوية جيمس كوليب ليعمل على تنقية المستخلص وجعله صالحًا للاستخدام البشري.
تمكن كوليب من تطوير طريقة أفضل لاستخلاص الأنسولين من بنكرياس الأبقار، ما أتاح إنتاج شكل أكثر نقاءً وتركيزًا.
أول مريض في التاريخ يتلقى حقنة أنسولين
في 11 يناير 1922 دخل ليونارد طومسون، الفتى الكندي البالغ من العمر 14 عامًا، تاريخ الطب كأول إنسان يتلقى حقنة أنسولين. كان يحتهر من النوع الأول من السكري، وأدت الجرعة الأولى إلى انخفاض السكر لكنها سببت تفاعلًا موضعيًا نتيجة الشوائب.
لم ييأس الفريق، وفي 23 يناير 1922 تلقى ليونارد جرعة ثانية فاق مستوى السكر إلى مستويات شبه طبيعية، دون آثار جانبية تُذكر للمرة الأولى.
إعلان النتائج واستخدام الأنسولين
في 3 مايو 1922 أعلن ماكلويد النتائج أمام رابطة الأطباء الأمريكية في واشنطن، مستخدمًا لأول مرة مصطلح “الأنسولين”.
في يناير 1923 حصل بانتينج وبيست وكوليب على براءات الاختراع الأمريكية الخاصة بالأنسولين، لكنهم باعوها للجامعة مقابل دولار واحد لكل منهم. قال بانتينج: “الأنسولين ليس ملكي وحدي، بل هو ملك للعالم”.