منوعات

طريقة العلاج بالفصد والإدماء: أضراره والخرافات المحاطة به

تدور في إحدى المدن الآسيوية جدل حول ممارسات قديمة يعاد تسويقها بعبارات حديثة، حيث ادعى بعض من يعملون في ما يسمى العلاج بالطاقة أن سحب الدم من الجسم يحرر المريض من الطاقة الشريرة ويعالج طيفًا من الأمراض المزمنة. هذا الجدل يعيد طرح السؤال: هل الفصد إجراء طبي أساسه علم أم مجرد تراث ثقافي يواصل التأثير بلا أدلة كافية؟

الجذور التاريخية للفصد

تشير مصادر تاريخية إلى أن الفصد يعود إلى آلاف السنين ويرتبط بنظرية الأربعة سوائل التي افترضت أن اختلال توازن هذه السوائل يسبب المرض. انتقل المفهوم من مصر القديمة إلى اليونان والرومان ثم رسخ في أوروبا لقرون طويلة. وفي فترات لاحقة دعمه أطباء بارزون واعتبروا الدم العنصر الأكثر تأثيرًا في التوازن الداخلي، فاستُخدم لإراحة الحمى والصداع والتهابات وكان أحيانًا يستخدم بشكل وقائي.

أدوات وأساليب عبر العصور

تنوعت طرق سحب الدم بين إحداث ثقب في الوريد باستخدام أدوات حادة، أو تطبيق كؤوس مفرغة على الجلد بعد خدشه، كما وُجدت العلقات الطبية التي تمتص الدم وتفرز مواد تمنع التخثر. في أوقات تاريخية كان الحلاقون يمارسون الفصد إلى جانب مهامهم الأخرى، وهو ما يعكس مدى انتشار الإجراء في تلك الحضرات.

الجدل الطبي والتحول العلمي

مع تقدّم علم التشريح وفهم الدورة الدموية بدأ الشك حول جدوى الفصد. أجرى أطباء القرن التاسع عشر مقارنات منهجية بين من تلقوا العلاج ومن لم يتلقوه، فخلصوا إلى أن الفائدة أقل مما يعتقده الناس وتراجع استخدامه مع صعود الطب القائم على الملاحظة والتجربة. وتناولت مقالات تاريخ الطب كيف أن الاستمرار في الفصد استمر لعوامل اجتماعية واقتصادية وفكرية، رغم الأدلة المتزايدة التي تقلل من قيمته كعلاج عام.

الاستخدامات الطبية الحديثة

اليوم لا يُستخدم الفصد كعلاج عام، بل يُخصص لحالات محددة لها أساس فسيولوجي واضح. من أمثلتها اضطرابات الحديد الزائد في الجسم وبعض أمراض نخاع العظم التي تؤدي إلى ارتفاع مفرط في كريات الدم الحمراء، إضافة إلى اضطرابات إنتاج الدم. في هذه الحالات تُسحب كميات مدروسة من الدم لتقليل تراكم الحديد أو تخفيض لزوجة الدم وتحت إشراف طبي، كما عادت العلقات للاستخدام في عمليات إعادة التروية الدقيقة للمساعدة في تخفيض الاحتقان الوريدي بعد توصيل الأنسجة، بفعل المواد المضادة للتخثر التي تفرزها.

لماذا استمر رغم الشكوك؟

يرجع استمرار الممارسة إلى مزيج من الثقة الاجتماعية في الممارسين وطلب المرضى لسحب الدم، إضافة إلى غياب أدوات البحث العلمي الدقيقة في فترات سابقة. أما اليوم، فيرفض الطب الحديث مفهوم الطاقة الشريرة كمسبب للمرض ويعتمد بدلاً من ذلك على آليات بيولوجية قابلة للقياس والتحليل. لذا يجب أن يستند أي إجراء يتضمن سحب الدم إلى تشخيص واضح ومؤشرات طبية معترف بها، وإلا قد يؤدي فقدان الدم بلا داعٍ إلى مضاعفات خطيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى