اخبار العالم

عمر حرفوش.. فارس عربي عاد من الموت ليقود حرباً ضد العصابات في المكسيك

نجا عمر غارسيا حرفوش من محاولة اغتيال كادت تقضي عليه في فجر يوم دام عام 2020 حين فتحت العصابات النار عليه وهو رئيس شرطة العاصمة آنذاك؛ وبالفعل أُطلقت الرصاص بلا تردد، لكن حنكة الرجل العربي الأصل حالت دون سقوطه، فظهر كبطل كما في مشاهد أفلام هوليودية، ثم خرج حرفوش من المستشفى وهو يتهم كارتيل خاليسكو بمحاولة قتله من سريره.

في المكسيك، لا تُنسى الرسائل التي تُكتب بالرصاص.

بعد نحو ست سنوات تقريباً تغيّرت الصورة، فصار عمر حرفوش اليوم على قمة الهرم الأمني في البلاد وزيراً للأمن والحماية المدنية في حكومة الرئيسة كلاوديا شينباوم، باختياره لقيادة ملف الجريمة المنظمة على المستوى الفيدرالي. وصفت رويترز تعيينه عام 2024 بأنه رهان على تكرار تجربته في مكسيكو سيتي، حيث يُنسب إليه خفض معدل الجريمة في العاصمة خلال فترة عمله هناك.

ثم جاء الخبر الذي هزّ المكسيك والمنطقة، بقتل زعيم كارتيل خاليسكو، نيميسيو أوسيغويرا سرفانتيس المعروف بـ”إل مينشو”، خلال عملية عسكرية كبيرة في ولاية خاليسكو. ووفق رواية رويترز، قُتل في العملية وما تلاها ما لا يقل عن 74 شخصاً، بينهم 25 من الحرس الوطني، وسط موجة انتقامية واسعة وحرائق وقطع طرق في عشرات النقاط.

هنا تبدأ القصة بصيغتها الأكثر إثارة، الرجل الذي حاولت الكارتيلات دفنه تحت وابل النار صار لاحقاً جزءاً من الدولة التي وجّهت أخطر ضربة لخصمه التاريخي.

في 2020، كان حرفوش المستهدف المباشر، أكدت مصادر إعلامية أنه خرج من محاولة الاغتيال بثلاث إصابات، وأنه وجّه اتهامه لعصابات المخدرات من سريره في المستشفى.

الجذور العربية واسم لا يختبئ

عمر غارسيا حرفوش ليس اسمًا عابرًا في المشهد المكسيكي، ولا فقط بسبب منصبه. هو ابن السياسي المكسيكي خافيير غارسيا بانياغوا، ووالدته الممثلة المعروفة ماريا سورتي (ماريا حرفوش هيدالغو). وفي تقارير صحفية وسير منشورة، يظهر ارتباط اسم “حرفوش” بجذور لبنانية. كما أشارت “إل باييس” إلى نسبه السياسي والعسكري داخل الدولة المكسيكية، بما يمنحه حضورًا مركبًا بين الأمن والسياسة والرمزية العامة. بهذا المعنى، يصبح حرفوش في السردية العامة المكسيكية شخصية تجمع عالمين، صلابة المؤسسة الأمنية، وحضور الاسم العائلي ذي الأصل العربي.

وهذا بالضبط ما يجعل قصته قابلة للتحول إلى “بطل أسطوري” في الإعلام، رجل يحمل إرثًا معقدًا بين تراث عربي مليء بالفروسية وصرامة عسكرية وقدرة سياسية موروثة من الأب، ويقف في أخطر خط تماس داخل دولة تحارب الكارتيلات يوميًا.

ضربة “إل مينشو”.. انتصار دولة أم صفحة شخصية مؤجلة؟

الرواية الرسمية تقول إنها عملية دولة، وليست حركة لجهاز أمني منفرد، بل اعتمدت على تعاون أجهزة الاستخبارات والقوات الخاصة وبتنسيق مؤسسي، وتلتها متابعة لمنع إعادة تشكل الكارتيل. نقلت رويترز أن الولايات المتحدة قدمت معلومات استخبارية، بينما أكدت السلطات المكسيكية أن التنفيذ كان مكسيكيًا وأن العملية انتهت بمقتل “إل مينشو” أثناء نقله، مع تصريحات لوزير الدفاع ومسؤولين بينهم حرفوش عن الاعتقالات اللاحقة ومراقبة قيادات التنظيم.

لكن في القراءة السياسية والشعبية يصعب تجاهل عنصر الذاكرة، فالرجل نفسه هو الذي حمل إليه إل مينشو قبل سنوات رسالة موت علنية في قلب العاصمة، واليوم يجلس في موقع يمكّنه من تنسيق الرد الوطني على الكارتيل الأشد تسليحاً ونفوذاً.

هل هي ثأر شخصي؟ ليس بالمعنى القانوني، لكنها لحظة نادرة تقاطع فيها جروح الماضي مع سلطة الدولة الحاضرة، في مشهد يرتبط بتاريخ الحكايات والدراما المكسيكية.

لا بطل بلا ظلال

أي قصة أمنية كبيرة في المكسيك لا تأتي بلا ملفات ثقيلة. أشارت “إل باييس” إلى أن اسم حرفوش طُرح ضمن سجالات مرتبطة بقضية اختفاء 43 طالباً في أيوتسينابا، وهي قضية ما زالت جرحاً مفتوحاً في البلاد. وذكر التقرير أن حرفوش نفى الاتهامات المرتبطة بهذا الملف واعتبرها مزاعم غير منطقية. وهذه النقطة مهمة في مادة تقريرية متوازنة، فصورة المنقذ في المكسيك ليست ناصعة بل محاطة بالصراع السردي والاتهامات السياسية والحسابات القديمة، ومثلما يلاحق رجل الأمن العصابات بالسلاح فإن مافيا العصابات تلاحق رجال الأمن بالشائعات والحكايات الملفقة لتشويه سمعته.

أزمة المكسيك ليست شأنًا سياسيًا فحسب، بل تغول نفوذ العصابات وتداخل مفاسدها مع عناصر الدولة، لذا لا تبحث المكسيك اليوم عن خطيب سياسي فصيح فحسب، بل عن مدير أزمة دائم. وصفت رويترز تعيين حرفوش كجزء من استراتيجية شينباوم لمواجهة الجريمة المنظمة وتعزيز القدرات الاستخباراتية والتحقيقية، وفي أحدث اختبار ظهر اسمه في قلب المشهد عقب مقتل إل مينشو وفوضى ما تلا، كونه المسؤول الأول عن التنسيق الأمني الوطني إلى جانب بقية المؤسسات. وفي بلد تقاس فيه قوة الدولة أحياناً بقدرتها على الصمود أمام كارتيل واحد، تبدو قصة عمر حرفوش بالنسبة لمؤيديه مثالاً على رجل من أصول عربية نجَا من القبر ثم عاد ليقود أخطر معركة ضد من حاولوا دفنه. لكنها تبقى صورة مركبة، فالمكسيك لا تزال في قلب نيران الكارتيلات التي تتشعب وتتشبث، غير أن صعود حرفوش ومشهد إل مينشو بعد 2020 يقدمان قصة ملهمة عن لحظة تُحَوِّل فيها المستهدف إلى مهندس الرد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى