
أثارت تقارير حديثة جدلاً واسعاً بعدما كشفت أن جامعات مرموقة بدأت تبسّط مناهجها لتتناسب مع قدرات جيل زد، وليس لتطويرها بشكل أعمق، وهو اتجاه يثير قلقاً من تراجع عمق التعلّم وسلامة المهارات الأساسية.
وقد عرضت شهادة علم الأعصاب والتربية الدكتور جاريد كوني هورفاث أمام لجنة التجارة والعلوم والنقل بمجلس الشيوخ الأمريكي في 2026، حيث أوضح أن عناصر التطور المعرفي الأساسية مثل القراءة والكتابة والانتباه والتفكير النقدي قد استقرت أو انخفضت في أجزاء كثيرة من العالم المتقدم خلال العقدين الماضيين، ويرجع ذلك إلى التوسع السريع وغير المنسّق للتكنولوجيا الرقمية والتعليمية في الفصول الدراسية، وهو ما غالباً ما يضعف مخرجات التعلّم بدل تعزيزها.
عندما يبدو التقدّم كأنه تراجع، تبدو التحديات جلية مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي والهواتف إلى الصفوف الدراسية؛ فهذه الأدوات تُروَّج كإنجازات تعليمية لكنها تعيد تشكيل الدماغ بطرق غير متوقعة، وتدفع النقاش إلى السياسات التعليمية وتطرح مسألة صقل الذكاء عبر حل المشكلات وتنمية قدرات العقل لا مجرد الوصول إلى الحل من تعليمات غير كاملة.
تزايد القلق حول القراءة المتعمقة واضح، فالأيام التي كانت القراءة فيها هوايةً محببة ولت مع الزمن، والعديد من الطلاب في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة يقرؤون أقل للمتعة وبكفاءة أقل في القراءة اليومية، وفق تقارير مؤسسات معنية بالمهارات القرائية؛ وتبرز دراسات تدفع بوجود فجوات مبكرة في معالجة اللغة لدى الأطفال قبل دخول المدرسة بفترة طويلة، ما يؤثر سلباً في الانتباه والفهم والتفكير النقدي مع مرور الوقت.
وتوضح الأبحاث أن القراءة السطحية والتصفح العشوائي للإنترنت يضعفان الذاكرة العاملة ويقللان الانضباط الذهني الذي تعززه القراءة المتعمقة، ففي عالم يعج بمقاطع قصيرة وخبرات سريعة، يصير تدريب الدماغ على التركيز المتواصل أمراً نادراً وتقل قيمته في النظام التعليمي.
التصفح السلبي: تأثيره في المدرسة وخارجها
يبرز التصفح السلبي في أوقات متأخرة من الليل كونه سلوكاً يؤجّج القلق ويشوّش الانتباه، وتفيد تقارير المعلمين بأن الطلاب يعانون من صعوبات في التركيز والصبر على قراءة نصوص طويلة وحجج معقدة، وهي أعمدة كان الاعتماد عليها سابقاً للوصول إلى التميز الأكاديمي.
التحدي: تجاوز هذه المرحلة الانتقالية لا إلقاء اللوم
لا يمثل التطور حتمية مدمّرة، بل رسالة إلى تصميم بيئات تعليمية مدروسة، تبدأ بإعادة النظر في القراءة من خلال دمج القراءة المتعمقة مع الإلمام الرقمي، وتعلّم الطالبات والطلاب كيف يقرءون كما يقرأون، وتحديد استخدام واع للشاشات ليعزز التعلم بدل أن يحل مكان الجهد الذهني، ثم توسيع مفهوم الذكاء ليشمل الطلاقة الرقمية والتوليف الإبداعي والتفكير الأخلاقي.
المستقبل ليس نصاً مبرمجاً، فجيل الألفية يقف عند مفترق طرق ظاهر، وواجب التعليم اليوم أن يعلم الطلاب ليس فقط كيف يصلون إلى المعرفة بل كيف يستوعبونها ويتأملون فيها، فالتكنولوجيا أداة لا حاكم، ويظل القراءة والتفكير النقدي ركيزتين أساسيتين للمستقبل.