
يعتمد علاج اضطراب الهلع عادةً على الدمج بين الأدوية والعلاج المعرفي السلوكي. إذ تقترن الأدوية بمراجعة الأفكار والتعرّض التدريجي للمواقف المخيفة، ويرتبط ذلك بأسلوب يُعرف بالتعرض الداخلي حيث يُدرّب المريض على مواجهة الأحاسيس الجسدية التي يخشاها. الجديد أن التمارين البدنية المكثفة قد تؤدي دوراً علاجياً قائماً بذاته وليس مجرد نشاط داعم للصحة العامة.
دور التمارين عالية الكثافة كعلاج مستقل
أظهرت دراسة حديثة أن فترات قصيرة ومنظمة من تمارين عالية الكثافة (HIIT) كانت أكثر فاعلية من جلسات الاسترخاء في خفض أعراض الهلع، مع بقاء الفوائد لعدة أشهر بعد انتهاء البرنامج. شملت التجربة عشرات البالغين غير النشطين بدنيًا، ولم يكونوا يتلقون علاجًا دوائيًا خلال الدراسة، واستمر البرنامج 12 أسبوعًا. اعتمدت الجلسات على إحماء، ثم مشي متوسط الشدة، ثم دفعات قصيرة من جهد عالٍ، تليها فترات استعادة. لم تتضمن الجلسات علاجًا نفسيًا لفظيًا، بل اعتمد التأثير العلاجي على تكرار التعرض للأحاسيس الجسدية. قارن البحث مع مجموعة خضعت لتدريب للاسترخاء، وظهر أن مجموعة التمرين حققت انخفاضًا أكبر في شدة الأعراض وعدد النوبات، إضافة إلى تحسن القلق والاكتئاب في المتابعة.
ما يحدث داخل الجسم أثناء نوبة الهلع
النوبة ترتبط بتسارع ضربات القلب، ضيق التنفس، التعرق، الدوار، والشعور بفقدان السيطرة. المشكلة ليست في هذه الأعراض وحدها، بل في التفسير المصاحب لها؛ فالمصاب يعتقد أن هذه الإشارات تمثل خطرًا وشيكًا، ما يزيد من شدّة الاستجابة الجسدية ويدخل الشخص في دائرة خوف متواصلة. العلاج بالتعرض الداخلي يهدف إلى كسر هذه الدائرة من خلال إحداث الأحاسيس بشكل آمن، حتى يتعلم الدماغ أن هذه الإشارات ليست مهددة للحياة.
كيف يحاكي التمرين هذه الأحاسيس؟
تصل التمارين عالية الكثافة إلى زيادة معدل النبض والتنفس والتعرق وتعب عضلي، وهي تغيرات تشبه إلى حد كبير ما تحدثه نوبة الهلع. الفرق أن مصدرها واضح ومعروف: مجهود بدني وليس تهديدًا حقيقياً. هذا الربط يساعد الدماغ على إعادة برمجة الاستجابة النفسية بحيث ترتبط الإشارات بالقدرة على التحمل لا بالخطر. في الدراسة، جلسة التمرين شملت بدءاً بإحماء، ثم مشي متوسط الشدة، ثم دفعات قصيرة من جهد عالٍ تكررت مع فترات استعادة، وتكررت على مدى 12 أسبوعاً، مع تقليل الاعتماد على العلاج النفسي اللفظي خلال الفترة نفسها. قارن الباحثون ذلك بتدريب استرخاء، ووجدت النتائج أن تمرين HIIT أدى إلى تحسن أكبر في الأعراض وعدد النوبات، كما تحسّنت مستويات القلق والاكتئاب خلال المتابعة.
لماذا قد يكون التمرين أكثر تقبلاً؟
يُنظر إلى التعرّض القائم على أعمال بدنية كأنها نشاط صحي وهادئ، مقارنة مع أساليب تعرض تعتمد على إحداث دوار أو مواقف مخيفة. هذا المعنى الإيجابي يعزز التزام المريض ويقلل المقاومة ويمنحه شعوراً بالسيطرة. كما يحفز النشاط البدني إفراز مواد كيميائية عصبية مرتبطة بتحسن المزاج وتنظيم التوتر، مثل الإندورفين والسيروتونين والدوبامين، إضافة إلى تحسين تدفق الدم إلى الدماغ. ومع أن النتائج تبدو واعدة، فإن الاستجابة قد تختلف بين من هو غير نشط عادةً وبين من يمارس الرياضة بشكل منتظم، كما أن الدراسة لم تقارن التمرين مع العلاجات الأخرى في دمجها، ما يستدعي إجراء أبحاث إضافية لفهم أفضل للدمج بين الأساليب. هناك حاجة أيضًا إلى دراسات طويلة الأجل لتقييم مدى استمرار النتائج. ورغم الإيجابيات، لا يُنصح بالبدء ببرنامج مكثف دون إشراف متخصص، لأن بعض الأشخاص قد يسيئون تفسير الأحاسيس في البداية. التنسيق مع معالج نفسي سيساعد في تطوير مهارات تهدئة ذاتية وإعادة تفسير الأفكار السلبية أثناء التمرين. إدخال التمارين عالية الشدة ضمن خطة علاجية موجهة قد يوفر خيارًا منخفض التكلفة ويمكن تطبيقه بشكل أوسع، خاصة في الأماكن التي تعاني من نقص الوصول إلى خدمات العلاج النفسي المتخصص.