منوعات

كيف دفعت الذكاء الاصطناعي كتّابًا وصحفيين إلى العمل فى المخابز وورش الكهرباء؟ «قصص انسانية»

تشهد السنوات الأخيرة تحولات حادّة في مسارات مهنيين كانوا يعملون في الوظائف المكتبية المستقرة، إذ بدأ الذكاء الاصطناعي يواجههم في صميم أعمالهم. ويُعدُّ هذا الواقع أقرب إلى الحقيقة منه إلى التوقعات، مع تقارير تؤكد أن بعض القطاعات الإدارية والمالية والقانونية أكثر عرضة لتأثير التقنية الحديثة.

من الكتابة إلى العلاج النفسي

تروي قصة كاتبة من كاليفورنيا قررت منذ الطفولة أن تصبح كاتبة، لكنها وجدت أن سوق العمل يتغير بسرعة. بعد أن عملت ككاتبة محتوى ومستقلة، تفاجأت مع موجة تسريحات عام 2024 وظهور إشعار بأن بعض العملاء لم يعودوا يحتاجون إلى كُتّاب. عُرض عليها العمل كمحرّرة لمحتوى ينتجه الذكاء الاصطناعي، فخُفِّض أجرها إلى النصف مع ادعاء أن التحرير أسرع من الكتابة من الصفر، لكن الواقع كان مختلفاً. أمضت وقتاً إضافياً في تدقيق الحقائق، لأن نسبة كبيرة من المحتوى كان يحتوي معلومات ملفّقة، فازدادت ساعات العمل مقابل أجر أقل. حتى اتهمتها بعض العملاء باستخدام AI في كتاباتها، رغم تأكيدها أنها لا تستخدمه، وتزايد الشكّ في الأسلوب نفسه. بحلول يناير 2025 لم تعد القوانين الصحية تسمح بمخاطر التأمين، فاضطرت للاستعانة بتأمين زوجها وقرّرت أن الكتابة لم تعد خياراً قابلاً للاستمرار.

تذكّرت بعدها مادة في علم النفس وقرّرت إعادة التوجيه لتصبح معالجة أسرية وزوجية. اعترفت بأن المجال ليس محصّناً تماماً ضد الذكاء الاصطناعي، لكن بعض الناس يفضلون التفاعل البشري في العلاج. عادت إلى الدراسة واعتمدت على دعم زوجها ولوائح القروض، وتعمل حالياً في العلاج وتجمع بين مشاريع متفرقة، وهي ممتنة للفرصة رغم أنها لم تكن لتختار المسار نفسه لولا تراجع مهنتها الأصلية.

محرّرة أكاديميّة تتحوّل إلى خبّازة

جانيت فينسترا، محرّرة أكاديميّة في مالمو بالسويد، قررت تقليص الاعتماد على تحرير النصوص الأكاديميّة عالية التخصّص مع تزايد الحديث في الجامعات عن استخدام AI في التحرير. كأمّ لطفلين ومطلّقة، واجهت ضغوط الاستقرار المالي فقررت الاستثمار في مهنة جديدة، فالتزمت بتدريب في مجال الطهي. واجهت صعوبات في البداية، إذ تأثر الإيجار وتحوّلت ظروف السكن، لكن شقيقتها وجدت شقة جديدة. الآن تعمل في مخبز يدوي، وتصف التجربة بأنها مفعمة بالنشاط والحركة، رغم أن الأجر أقل والعمل أكثر إرهاقاً. ترى فينسترا أن الانتقال من وظيفة مكتبية إلى حرفة يفرض إعادة تعريف للمكانة الاجتماعية المرتبطة بالعمل.

الإقبال على المهن الحرفيّة

تؤكّد أنجيلا جويس، رئيسةً تنفيذية في كلية Capital City College بلندن، أن الاهتمام بالتخصصات الحرفية في الهندسة وفنون الطهي ورعاية الأطفال يتزايد، وأن الطلاب والخريجين يبحثون عن مسارات أكثر استقراراً عندما ترتفع البطالة وتتعذر أتمتة بعض الوظائف التقليدية. يشير هذا التطوّر إلى تحول واضح بعيداً عن المسارات الأكاديمية التقليدية نحو مهن تتيح عملاً عملياً وتماساً بشرياً أكبر.

من الصحة والسلامة إلى الهندسة الكهربائيّة

ريتشارد، متخصص صحة وسلامة مهنيّة في نورثهامبتون، أمضى 15 عاماً في مجاله ثم اعتمد مساراً مختلفاً كمهندس كهربائي. لاحظ أن الذكاء الاصطناعي بدأ يُكتب سياسات وإجراءات السلامة، وأن الأدوار الروتينية المعتمدة على البيانات تعتبر الأكثر تهديداً. تراجعت دخوله بشكل كبير، ويتوقع أن يستغرق من خمس إلى عشر سنوات لاستعادة مستواه السابق، مع اعترافه بأن الأتمتة قد تصل في المستقبل إلى بعض الحرف، لكنها ترى أن الأعمال التي تتطلب مهارة يدوية عالية وحلّ مشكلات معقّدة تظل أكثر صموداً حالياً.

هل المهن اليدويّة في مأمن؟

كارل بنيديكت فري، أستاذ مشارك في جامعة أكسفورد ومتخصّص في الذكاء الاصطناعي والعمل، يرى أن الأعمال اليدوية أصعب في الأتمتة، لكنه يتوقع تأثيراً واسعاً للتكنولوجيا على شتى القطاعات. يشير إلى أن الناس قد يستخدمون نماذج لغوية لإصلاح أعطال منزلية، ما قد يقلّل الطلب على بعض الخدمات. مع ذلك، يحذر من اتخاذ قرارات مهنية استناداً إلى سيناريوهات مستقبلية افتراضية فقط. تلاحظ الدراسات الحالية تأثيراً أوضح على الوظائف المبتدئة، لكن عوامل أخرى مثل أسعار الفائدة والتعافي من الجائحة تلعب دوراً أيضاً.

سوق عمل يعيد تشكيل نفسه

ما يحدث اليوم ليس مجرد فقدان وظائف، بل إعادة تشكيل واسعة لسوق العمل. المهن التي كانت تُوصَف بالمكتبيّة تواجه ضغوط غير مسبوقة، بينما تشهد المهن الحرفية ومجالات التفاعل البشري طلباً متزايداً. قد تكون هناك تضحيات مالية واجتماعية، لكنها تعكس أيضاً مرحلة جديدة يتأمل فيها الأفراد مهاراتهم وخياراتهم في ظل تسارع التكنولوجيا والتغير المستمر في طبيعة العمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى