
40 عامًا على محاكمة القرن: إيطاليا حبست شياطين المافيا في قفص واحد
فتحت باليرمو قبل أربعين عاماً مشهداً لم يتكرر: كانت الشوارع خالية وتغزو السماء طائرات هليكوبتر، وعلت منصات الصواريخ على أسطح المباني. لم تكن إيطاليا تستعد لحرب عالمية، بل كانت تفتح أبواب محكمة المخبأ لاستقبال 474 شيطاناً من عمالقة المافيا. في ذلك اليوم واجهت دولة العصابات دولة القانون بشكل علني وواضح.
أشارت تقارير صحفية إنفوباى إلى أن محكمة المخبأ صارت قفصاً لترويض الوحوش، إذ كانت المافيا تملك جيوشاً. اضطرت الحكومة الإيطالية إلى بناء قاعة محكمة خرسانية تحت الأرض، قادرة على تحمل هجمات الصواريخ. وفي الداخل بدت المشاهد أقرب إلى الخيال، حيث كان قتلة مأجورون ورؤساء عائلات وجنود شوارع محبوسين في أقفاص حديدية ضخمة داخل القاعة.
الفارسان فالكوني وبورسلينو
وقف الفارسان خلف منصة الادعاء، وهما جيوفاني فالكوني وباولو بورسلينو، بذكاء حاد استخدما الاعترافات سلاحاً لم تتوقعه المافيا. وبفضل توماسو بوشيتا، أول قيادي يكسر حاجز الصمت بعدما أبادت المافيا عائلته، استطاع القاضيان رسم الهيكل التنظيمي للمافيا لأول مرة. وأثبتا للعالم أن المافيا ليست جرائم متفرقة بل دولة عميقة تُدار من غرفة عمليات واحدة تسمى اللجنة.
مقامرة الموت في المحاكمة
لم تمر المحاكمة بسلام، فكان رد المافيا بالرصاص والمتفجرات خارج القاعة، مغتالة قضاة وضباط وشهود. ورغم صدور أحكام تاريخية بالسجن لآلاف السنين، دفع فالكوني وبورسلينو حياتهما في تفجيرات مروعة عام 1992. لكن رد فعل الشعب الإيطالي كان حاسماً، فانتفض ضد المافيا، وتحولت جنازات القضاة إلى ثورة شعبية أدت إلى سقوط توتو ريينا.
بعد أربعين عاماً، تظل محاكمة القرن درساً رئيسياً في تاريخ العدالة، حيث أثبتت أن القضبان الحديدية يمكنها ترويض أقوى الشياطين إذا توفرت الإرادة السياسية والشجاعة القضائية. لم يكن القفص حبساً للجسد فحسب، بل كان حبساً للأسطورة المافيا التي لا تقهر. أكدت النتائج أن تنظيمات الجرائم المستترة يمكن كشفها وتفكيكها حين تتوفر الرؤية القانونية والضغط الشعبي.