
هوس المحافظة على الصحة.. حكاية رجل تعافى من متلازمة طول العمر
افراط الاهتمام بالصحة وظهور متلازمة طول العمر
يُعدّ الإفراط في اتباع نمط حياة صحي مبعث قلق ومشكلة صحية نفسية، فحتى لو كان الغذاء الصحي والنشاط البدني مفيدين، فإن المبالغة قد تتحول إلى ضغط نفسي وقلق مستمر على الصحة يسيطر على الحياة اليومية.
يصف المصطلح القائم في الإعلام تشخيصًا غير رسمي للهوس الناتج عن المبالغة في الحفاظ على الصحة، وهو ما يُعرف بمتلازمة طول العمر، حيث يتحول الاهتمام الصحي إلى سلوك مهووس يستهلك الوقت والمال ويؤثر في العلاقات والنوم والعمل.
تظهر أمثلة لمرضى يعانون من هذا الهوس، من بينهم جيسون وود، البالغ 40 عامًا، الذي كان يراقب كل ما يأكله، يفضّل الطعام العضوي، يحسب السعرات بدقة، ويطبّق نظامًا رياضيًا صارمًا مرتين يوميًا طوال الأسبوع، ويتتبع وظائف جسده كالنشاط القلبي ونسبة الدهون ونومه، ويعمد إلى فحص الجلوكوز بشكل متكرر، كما يزور عيادات الصحة لتحصل على محاليل فيتامينات عبر الوريد وجلسات أكسجين بتكاليف عالية، فكل ذلك كان يهدف إلى السيطرة على ما يظنه صحة مثالية ولكنه في الواقع يضغط عليه مادياً ونفسياً.
وصل جيسون إلى نقطة الانهيار حين طلب في مطعم خبزًا مع الحمص بدل الخضراوات النيئة التي يطلبها عادة، فانهار باكيًا وارتعش وشعر بأنه لا يستطيع التحمل أكثر، ثم بدأ يفكر في مدى صحتّه وسلامته وكيف أن سعيه لإطالة عمره يحطم حياته، فبحث عن دعم نفسي واعترف بأنه كان يعيش وفق أرقام وبيانات صحية تفصيلية أكثر من الواقع نفسه.
ليست حالة فردية بل هوس متزايد
تؤكد آراء أطباء نفسيين وجود زيادة ملحوظة في عدد المرضى الذين يظهرون سلوكًا مشابهًا، ويربطون هذا الهوس باضطراب الأكل المعروف بأورثوركسيا، وهو هوس بالأكل الصحي وممارسة الرياضة بشكل مفرط، ويُفسر ذلك بأن الخوف الوجودي من الموت قد يظهر مع تقارير وتوجهات حول إطالة العمر وتغيّر العلاجات الحيوية والعيادات المتخصصة التي تنتشر بين الناس من ذوي الدخل المرتفع.
كما تزداد الحياة العصرية بتعليقات عن طرق جديدة لإطالة العمر، بما في ذلك العروض الحيوية والعيادات المتخصصة في التكنولوجيا الحيوية والتغذية والعناية بالبشرة، وتُشير التجارب إلى أن العلم نفسه كان محكًا للبحث عن حلول قد تستهوي الجمهور الواسع وتدفعه إلى إنفاق أموال طائلة.
وتبين أمثلة شهيرة أن مشاهير مثل أورلاندو بلوم جرب تنظيف الدم من جزيئات البلاستيك الدقيقة، وتؤمن نجمة عالمية مثل جينيفر آنيستون بفعالية حقن الببتيدات لتجديد البشرة، ما يعكس جاذبية حلول مكافحة الشيخوخة حتى لو كانت خارج نطاق الواقع الطبي التقليدي وقدرتها على إحداث فوارق حقيقية في العمر أو الصحة اليومية.
انتشار هذه الظاهرة ليس محدودًا بفئة بعينها بل يظهر في صفوف عدة أشخاص يبحثون عن حلول سريعة أو ديتوكسات صحية، وهو ما يدفع خبراء الصحة النفسية إلى التنبيه من خطر الاعتماد المبالغ فيه على إجراءات وقراءات جسدية كالمقاييس الرقمية والاختبارات المتكررة، مع ضرورة توازن الحياة وتقدير المخاطر والراحة الذهنية.
أسباب الإصابة بالمتلازمة والعلاج منها
ترى لينا موكيرجي، كبيرة المعالجين النفسيين المعتمدين لدى الجمعية البريطانية للاستشارة والعلاج، أن نحو 75% من مرضاها يظهرون أعراض متلازمة هوس طول العمر، وأن القلق من الموت يتزايد مع ظهور عادات جديدة وتطمينات صحية مشددة، وهو أمر تفاقم بشكل واضح منذ جائحة كورونا وترافق مع ارتفاع اليقظة والنشاط المفرط وفقدان الشعور بالسيطرة على الحياة.
وترى أن الأشخاص الذين يظهرون هذه العلامات غالبًا ما يكونون من مهنيين حاصلين على تعليم جامعي وتراوح أعمارهم بين الثلاثين والخمسين، يعتمدون بشكل مفرط على الأجهزة والقراءات، كما أن تجارب الطفولة قد تكون المحرك الرئيسي لهذا السلوك، مع وجود ما يُسمّى بـ”متلازمة البطل الخارق” لدى بعض العملاء الذين يحاولون تعويض فقدان أو مرض.
تؤكد الأعراف الطبية أن العلاج يبدأ بتعلم المرضى استعادة التناغم مع أجسادهم بشكل غريزي من خلال اليوغا وتمارين التنفس والرياضة، لكن من أجل المتعة والاسترخاء لا للإفراط في الحفاظ على الصحة، كما أن العلاج بالكلام حول تقبل الموت يساعد غالباً في فهم قضايا أعمق والتعافي من هذه الأفكار.