
اكتئاب واضطرابات نفسية: ما يخفيه إدمان الألعاب الإلكترونية
تلاحظ كثير من الأسر أن أبناءها المراهقين يقضون ساعات طويلة أمام الشاشات وينعزلون عن محيطهم، وهو ما يجعل البعض يطلق عليهم “مدمنين على ألعاب الفيديو”. غير أن الحقيقة أعمق من ذلك، فخبراء الصحة النفسية يشيرون إلى أن ما يظهر كإدمان قد يكون عرضًا لمشكلة نفسية مثل القلق أو الاكتئاب أو اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، وتتفاقم الصورة عندما تراجع مستويات الاهتمام الدراسي والاجتماعي لديهم.
تقر منظمة الصحة العالمية وجود اضطراب الألعاب كتشخيص طبي لكن بشروط محدودة، فهو يطبق عندما يصبح اللعب سلوكًا قهريًا يسبب تدهور الأداء الدراسي وتراجع العلاقات الاجتماعية وتضرر الحياة اليومية وفقدان السيطرة على وقت اللعب.
وهنا تكمن المفارقة: ليس معظم المراهقين الذين يفرطون في اللعب مدمنين بالضرورة، بل يحاولون التأقلم مع ضغوط نفسية أو عاطفية لا يعرفون كيف يعبرون عنها.
رغم أن الجانب النفسي هو الأهم، فإن الإفراط في اللعب قد يترتب عليه مشاكل صحية جسدية مثل السمنة نتيجة قلة الحركة وآلام الرقبة والظهر بسبب الجلوس الطويل واضطرابات النوم والإرهاق وضعف المناعة وإجهاد العين، وغالبًا ما تنشأ هذه المشكلات لأن اللاعب يهمل الطعام الصحي والنشاط البدني لصالح جلسات اللعب الطويلة.
لماذا أصبحت الألعاب ملاذًا آمنًا؟
بالنسبة لكثير من الشباب، ألعاب الفيديو ليست مجرد وسيلة ترفيه بل عالم يشعرون فيه بالأمان والسيطرة، داخل اللعبة ينجحون حين تكون الحياة الواقعية مرهقة وتبدو الصداقات أسهل والتوقعات فورية والمكافآت تمنحهم شعورًا بالإنجاز، كما يخفف التوتر والوحدة والشك الذاتي مؤقتًا.
وهذا يعني أن الألعاب ليست دائمًا المشكلة بل قد تكون رد فعل على مشكلة أساسية أعمق قد تكون القلق أو الاكتئاب أو فرط الحركة وتشتت الانتباه أو الشعور بالوحدة أو التنمر أو مشاكل في الواقع، لذا قد تتحول إلى أداة هروب لا مجرد تسلية.
علامات قد تشير إلى أنها ليست إدمانًا بحتًا
ينبغي النظر إلى نمط العاطفة والسلوك لا إلى عدد ساعات اللعب فقط، فانتبه إلى مؤشرات مثل الاستثارة أو الانعزال بعد انتهاء اللعب، واللعب كطريقة للهروب من الضيق وليس كمتعة، وتغيرات النوم أو الأكل أو الأداء الدراسي، وقلق عند الحديث عن يومه ويرتاح فقط أثناء اللعب، وتراجع العلاقات خارج عالم الألعاب؛ فهذه إشارات إلى وجود ضغوط نفسية تحتاج دعمًا أكثر من كونها إدمانًا حصرًا.
متى يصبح الأمر إدمان ألعاب فعلاً؟
الإدمان حالة أكثر تحددًا وتظهر بسلوكيات مثل فقدان السيطرة على ساعات اللعب وتجاهل الاحتياجات الأساسية كالنوم والطعام ونوبات غضب عند الطلب بالتوقف وفقدان الاهتمام بالأنشطة السابقة والاستمرار في اللعب رغم العواقب؛ كما أن الإدمان غالبًا ما يصيب مع وجود ضغوط نفسية أو احتياجات عاطفية غير ملباة.
ماذا ينبغي على الآباء فعله؟
يُرتكب خطأ شائع عندما يلجأ الأهل إلى المنع المفاجئ أو السيطرة القهرية، لكن الدراسات توضح أن التواصل والدعم أكثر فاعلية من العقاب. فابدأ بالفضول لا المواجهة واسأل الطفل عما تقدمه له اللعبة من راحة أو أصدقاء أو ثقة أو هروب.
راقب الصحة النفسية وليس فقط الوقت؛ فالأهم هو تأثير اللعب على الحياة اليومية، وتحقق من المحفزات مثل التنمر وضغط الدراسة والوحدة والاكتئاب، ثم ادخل روتينًا متوازنًا تدريجيًا مع أنشطة بديلة، واطلب مساعدة مختص عند تغيرات حادة في السلوك أو المزاج.