
ما دور الإمارات في تعزيز الدبلوماسية العربية على المستوى الدولي؟
أثبتت الإمارات مكانتها الدبلوماسية عبر جهد مؤثر في الوساطات ضمن نزاعات معقدة، وعلى رأسها الحرب الروسية-الأوكرانية المستمرة منذ فبراير 2022، حيث نجحت في مبادرات لتخفيف حدة الصراع، خاصة في تبادل الأسرى، وصولاً إلى استضافة جولتين من المحادثات البناءة بين أمريكا وروسيا وأوكرانيا في أبوظبي منذ مطلع العام 2026.
قبلها توّجت جهودها باستضافة محادثات أسفرت عن إنهاء التوترات بين إثيوبيا وإريتريا عام 2018، والوساطة الناجحة بين أرمينيا وأذربيجان عام 2025، فضلاً عن وساطة لتبادل أسرى بين الولايات المتحدة وروسيا في ديسمبر 2022، إضافة إلى الآلية الرباعية الدولية في السودان وهي مجموعة دولية–إقليمية تُعنى بتنسيق الجهود لإنهاء الحرب في السودان ودعم عملية سياسية تؤدي إلى تسوية شاملة وحكومة مدنية.
تتضح حقائق الدور الإماراتي الدولي ليس من خلال التكليف، بل من مكانتها ورصيدها في العلاقات الدولية. فقائمة النزاعات بين الدول ذات الباع في حل الأزمات باتت عميقة، ولم تعد دولة من الدول المشاركة في تأسيس الأمم المتحدة عام 1945 إلا وهي مثقلة بالتوترات، وطرف في محور إما يخوض حرباً أو يفرض عقوبات اقتصادية.
أغلقت المسارات الدبلوماسية منذ اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية، ولم تتحدث الأطراف سوى عن التسليح والدعم المالي لاستمرار الحرب. ومع ذلك بقيت ثغرة صغيرة في جدار الحرب هي حاجة الطرفين إلى قناة اتصال من أجل الأسرى. ما هي الدول المؤهلة لأداء هذا الدور؟
تظهر الإجابة في الإرث الدبلوماسي للدول، وليس مجرد مواقف آنية غير متحيزة لأي من أطراف الصراع. لذلك كانت الإمارات من أوائل الدول وأكثرها فاعلية في عمليات تبادل الأسرى في الحرب، وفي الوقت نفسه الإمارات من أكثر الدول إيجابية مع الطرفين خارج المسألة العسكرية، ففتحت أبواب مبادراتها لأوكرانيا وروسيا إنسانياً وسياسياً، ولم تقم بأي مساهمة عسكرية طوال سنوات الحرب. وبذلك أصبحت الإمارات ساحة لقاء طبيعية ومساحة حوار لأعقد النزاعات الدولية حالياً، وتبقى الرؤية السياسية بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بمثابة مكان التقاء للقوى العظمى دوناً عن الأماكن المشهورة بأداء هذا الدور.
ينعكس الدور الدبلوماسي للإمارات إيجاباً على المنطقة العربية والشرق الأوسط، وليس فقط رصيداً محلياً. فمنذ سنوات طويلة لم تكن المنطقة العربية سوى ساحة للنزاعات تنقل حواراتها إلى خارجها، في مشهد يعكس غياب الدور العربي دولياً وإقليمياً، وهو فترة طال أمدها وبلغ ذروته في حروب ما سمي بـ”الربيع العربي” التي أمعنت في تدمير المنطقة وأطلقت حروباً مدمرة للمجتمعات والدول. ومع بروز أدوار عربية فاعلة في الوساطة بين الدول، وانتقال التفاوض بشأن النزاعات إلى المنطقة العربية، يتم إعادة بناء الدبلوماسية الإقليمية بمساهمة إماراتية فاعلة في عالم يمر في مرحلة حرجة، واضطراب في التوازن بشكل غير مسبوق منذ انهيار الثنائية الدولية بسقوط الاتحاد السوفييتي رسمياً عام 1991 وصعود الأحادية القطبية الأمريكية.
يترافق الصعود الدبلوماحي للإمارات مع نهضة تكنولوجية ومواكبة لثورة الذكاء الاصطناعي، حيث أصبحت الإمارات المركز الواعد للثورة التكنولوجية إقليمياً وتضم أكبر عدد من الشركات الناشئة في هذا المجال، كما تنافس شركات إماراتية في بناء مراكز بيانات كبرى عالمياً، فضلاً عن تأهيل كوادر وطنية والاستفادة من أندر الخبرات العالمية. فالقوة، بهذا المعنى، ليست جيوشاً تحمل أسلحة فقط، إنما نهضة متوازية في كافة القطاعات، من أصغر منشأة إلى أكبر شركة. كل هذا يضاف إلى الرصيد الدبلوماسي لدولة الإمارات، وإلى دور عالمي مسنود ليس فقط بالحياد السياسي الإيجابي، بل بعوامل القوة الأحدث في عالم سريع التغير.