
هل انتهى عصر المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل؟
تُعد إسرائيل أكبر متلقٍ للمساعدات العسكرية الأمريكية على مدى الثمانين عاماً الماضية، لكن يبقى السؤال المطروح: هل تحصل الولايات المتحدة على مقابلٍ كافٍ لما تنفقه؟
يرى مؤيدو هذه المساعدات أنها توفّر دعماً حيوياً لحليف أمريكي صغير يواجه تهديدات مستمرة، كما أن إسرائيل مُلزَمة بإنفاق أكثر من 90% من هذه المساعدات على شراء أسلحة أمريكية (وسترتفع النسبة قريباً إلى 100%)، وهي أسلحة استُخدمت بفعالية كبيرة، ما أسهم في تعزيز سمعة الصناعات العسكرية الأمريكية، إضافة إلى أن جزءاً معتبرًا من هذه المساعدات مُخصَّص لتطوير منظومات دفاع صاروخي مشتركة يستفيد منها البلدان معًا.
في المقابل، يجادل منتقدو هذه السياسة بأن إسرائيل باتت دولة غنية وقادرة على تمويل دفاعها بنفسها، وأن المساعدات الأمريكية تسهم عملياً في تقليل حوافزها للتوصل إلى اتفاقات سلام مع جيرانها أو لمعالجة القضية الفلسطينية، ويضيف هؤلاء أن الانتهاكات المتزايدة لحقوق الفلسطينيين لا ينبغي أن تُموَّل من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين.
أما من وجهة النظر الإسرائيلية، فالحجة المؤيدة للمساعدات أكثر وضوحاً، فهي تغطي جزءاً كبيراً من ميزانية الدفاع، وبما أن الرؤساء الأمريكيين لم يستخدموها يوماً بشكل جاد للضغط على إسرائيل لتغيير سياساتها، فإنها تأتي عملياً بلا شروط سياسية تُذكر، ولهذا السبب، لم يفكِّر القادة الإسرائيليون يوماً بجدية في التخلي عنها حتى الآن.
ففي مقابلة مع مجلة الإيكونوميست في 9 يناير الماضي، قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إنه يرغب في تقليص المساعدات العسكرية تدريجياً وصولاً إلى الصفر خلال عشر سنوات، وكان نتنياهو قد تحدث عن هذا التوجه منذ فترة، إلا أن تصريحاته اكتسبت دلالة عملية الآن مع بدء المباحثات حول حزمة مساعدات جديدة لمدة عشر سنوات يفترض أن تدخل حيز التنفيذ عام 2029.
الصحيح أن هذه الاعتبارات ليست جديدة، لكن السبب الحقيقي وراء هذا التحول هو أن إسرائيل وأنصارها في واشنطن يواجهون صعوبة متزايدة في تبرير استمرار المساعدات.
فقد دمر الدمار الواسع في غزة صورة إسرائيل لدى الرأي العام الأميركي، وأظهر استطلاع مركز «بيو» للأبحاث، ونُشر في أكتوبر 2025 بالتزامن تقريباً مع التوصل إلى وقف إطلاق النار، أن نسبة الأميركيين الذين ينظرون بإيجابية إلى الشعب الإسرائيلي تراجعت 11 نقطة مئوية خلال ثلاث سنوات لتصل إلى 56% فقط، وهي نسبة قريبة من الـ52% ممن ينظرون بإيجابية إلى الفلسطينيين.
كما أظهر استطلاع آخر أجرته «الإيكونوميست» و«يوغوف» في أغسطس 2025 أن 42% من الأميركيين يعتقدون أن المساعدات لإسرائيل يجب أن تُخفَّض أو تُلغى، وهي نسبة تفوق من يؤيدون زيادتها أو الإبقاء عليها عند مستواها الحالي.
ومن المرجح أن يسهم وقف إطلاق النار وابتعاد أخبار غزة عن العناوين الرئيسية في استعادة جزء من التعاطف التقليدي مع إسرائيل، كما حدث بعد حروب سابقة، لكن من غير المتوقع أن يعود هذا التعاطف إلى مستوياته السابقة بالكامل، في ظل تحولات أعمق في السياسة الأميركية.
في الجناح التقدمي من الحزب الديمقراطي، يتزايد العداء لإسرائيل، ويُعدّ الموقف المتشدد منها اليوم سمةً مميزة لهذا التيار، ويبرز في هذا السياق اسم عمدة نيويورك زهران ممداني بين الأصوات الأكثر انتقاداً. والأسوأ من ذلك أن المسألة لم تعد لدى كثيرين في اليسار مقتصرة على سياسات إسرائيل، بل باتت تمس وجودها ذاته. في المقابل، يتراجع نفوذ الديمقراطيين الأكبر سنًا، مثل الرئيس السابق جو بايدن، الذين اعتادوا دعم إسرائيل بشكل شبه تلقائي.
ويُظهر استطلاع «بيو» أن أقل من نصف الديمقراطيين أو المتعاطفين مع الحزب ينظرون بإيجابية إلى الإسرائيليين، فيما لا تتجاوز نسبة من ينظرون بإيجابية إلى الحكومة الإسرائيلية 18% فقط، أي بفارق أربع نقاط مئوية لا غير عن حركة «حماس».
وخلال الحرب على غزة، دفع السيناتور بيرني ساندرز، المستقل المتحالف مع الديمقراطيين، بثلاثة مشاريع تصويت لرفض إرسال أسلحة أميركية إلى إسرائيل. ورغم فشلها، فإن عددًا ملحوظًا من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين صوّت لصالحها، بل حصد أحدها تأييد غالبية الديمقراطيين في المجلس.
وكان نتنياهو قد أدرك منذ سنوات ما يجري داخل الحزب الديمقراطي، لكنه بدلًا من محاولة احتواء هذا التحول اختار الاصطفاف العلني إلى جانب الجمهوريين، ما عمّق الانقسام الحزبي حول إسرائيل. بدا الدعم الجمهوري حينها مضمونا، مستنداً إلى المحافظين الجدد داخل واشنطن والإنجيليين في أنحاء البلاد.
اليوم، لا يزال الناخبون الجمهوريون أكثر ودّاً تجاه إسرائيل مقارنة بالديمقراطيين والمستقلين، لكن بدرجة أقل مما كان عليه الحال قبل سنوات. ويعود ذلك جزئياً إلى حرب غزة، لكن السبب الأعمق يتمثل في صعود تيار «أمريكا أولاً»، الذي يُرجَّح أن يكون أكثر دواماً من ذكريات الحرب.
ووفق هذا المنظور، لا تختلف إسرائيل عن أي حليف أمريكي آخر: عليها أن تُبرر علاقتها بالولايات المتحدة من خلال خدمة المصالح الأميركية، وأن تتحمّل تكاليفها بنفسها. ويتفاقم هذا التوجه مع انتشار مواقف معادِة للسامية، إذ أظهر استطلاع حديث لمعهد مانهايتن أن ربع الجمهوريين دون سن الخمسين يتبنون مثل هذه الآراء.