اخبار الامارات

عبر الأذن لا العين..كيف بات الذكاء الاصطناعي بوابة المكفوفين إلى العالم

في ظل ثورة الذكاء الاصطناعي المتسارعة، وجدت أسرٌ عديدة في التكنولوجيا المتقدمة وسيلة فعّالة لتمكين أطفالها المكفوفين من “رؤية” محيطهم، ولكن بطريقة غير تقليدية تعتمد على السمع بدلاً من البصر.

فقد باتت التطبيقات الذكية المدعومة بالذكاء الاصطناعي تُشكل نافذةً صوتية تصف المشاهد والأماكن وتعابير الوجوه، لتمنح أصحاب الإعاقة البصرية شعورًا بالاستقلالية والثقة.

أدوات الذكاء الاصطناعي لم تعد مجرد وسائل تقنية، بل تحولت إلى مساعدين شخصيين يوفرون تجربة تفاعلية حسيّة، تُمكّن المكفوف من إدراك العالم من حوله، والتنقل فيه بسهولة، وفهم التفاصيل اليومية التي كانت تمثل سابقًا تحديًا كبيرًا.

ولعلّ تجربة والد الطفل محمد الحمادي، الطالب الكفيف في الصف السادس، تُجسّد هذا التحوّل. فقد قرر الاشتراك في نسخة مدفوعة من تطبيق ذكي قائم على الذكاء الاصطناعي بقيمة 800 درهم شهريًا، بعدما لاحظ التأثير الكبير لهذا التطبيق في منح ابنه وصفًا دقيقًا وفوريًا لكل ما يراه عبر الكاميرا، بدءًا من الأشخاص من حوله ووصولاً إلى تفاصيل ألوان الملابس وتعابير الوجوه.

هذا الوصف الصوتي المتقدم لم يُسهّل التنقل فقط، بل عزز من ثقة الطفل بنفسه، ومنحه قدرة أكبر على التواصل والمشاركة في الفعاليات الاجتماعية. غير أن والده أوضح أنه يضع حدودًا لاستخدام التطبيق داخل المنزل، حفاظًا على خصوصية العائلة، نظرًا لاعتماده على الكاميرا.

ويؤكد الأب أن هذه الخطوة لم تكن رفاهية، بل ضرورة فرضها واقع الإعاقة البصرية، ويصفها بأنها “استثمار في مستقبل ابنه”، مشددًا على أهمية الموازنة بين التقنية والتدريب المهني، إذ يحرص على إشراك ابنه في جلسات علاج وظيفي لتطوير مهاراته الحياتية إلى جانب الاعتماد على التقنية.

وفي السياق نفسه، أوضح المهندس محمد الشحي، المتخصص في علوم البيانات والمحاضر في كليات التقنية العليا، أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد وسيلة معلوماتية، بل أصبح وسيلة لإيصال الإحساس ذاته، حيث تُستخدم تطبيقات ونظارات ذكية لتحليل الصور وتحويلها إلى أوصاف صوتية تساعد المكفوفين على التعامل مع محيطهم بثقة واستقلالية.

ومن أبرز الفوائد التي أشار إليها الشحي: قراءة النصوص فورياً، التعرّف على العملات والألوان، تقديم تنبيهات ذكية أثناء التنقل، وحتى المساعدة في مهام يومية مثل الطبخ والتسوق عبر قراءة الباركود.

وتعمل هذه الأنظمة باستخدام تقنيات متقدمة مثل “الرؤية الحاسوبية” والنماذج اللغوية التوليدية، مع مراعاة البيئة المحيطة، كضبط مستوى الصوت بحسب الضوضاء، وإعطاء الأولوية للأشياء الأقرب أهمية.

لكن هذه التقنيات لا تخلو من تحديات، أبرزها ما يتعلق بالخصوصية، خصوصًا في البيئات المنزلية، حيث قد تسجل الكاميرات مشاهد خاصة دون إذن.

وأكد الشحي على أهمية اختيار تطبيقات تعالج البيانات محليًا أو توفر أنظمة تشفير قوية، مع تقديم إشعارات واضحة حول سياسات الاستخدام.

من جهة أخرى، ترى فريال عبدالستار خلفاوي، أخصائية العلاج الوظيفي، أن الذكاء الاصطناعي أدى دورًا مهمًا في التقليل من المخاطر التي يواجهها المكفوفون، خاصة في البيئات الجديدة التي قد تُسبب السقوط أو الإصابات.

ومع ذلك، شددت على أن هذه الأدوات لا يمكن أن تحل محل الإنسان بالكامل، إذ لا تملك الإحساس أو المشاعر، ما يجعلها أدوات مساعدة وليست بدائل تامة.

خلفاوي أكدت أن الاستقلالية لا تُمنح عبر التكنولوجيا وحدها، بل تُكتسب من خلال تدريب منظم، مشيرة إلى أهمية دمج التقنية مع المهارات الشخصية.

كما لفتت إلى دور المعماريين في تصميم بيئات آمنة للمكفوفين، بدءاً من غرف النوم وحتى المطابخ، لتتلاءم مع استخدام العصا البيضاء والتقنيات الذكية.

وختمت حديثها بالتأكيد على ضرورة تعليم المكفوف كيف يكون هو من يتحكم في التقنية، لا أن تكون هي المتحكمة فيه، لأن الهدف في النهاية هو بناء شخصية مستقلة قادرة على التفاعل مع الحياة بثقة، مهما كانت التحديات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى