
شهدت دولة الإمارات تحولات جذرية في قطاع التعليم على مدار عقدين من الزمن، حيث خرج التعليم من إطار التوسع إلى بناء منظومة معرفية متكاملة تستثمر في الإنسان وتعيد رسم العلاقة بين المدرسة والاقتصاد والمستقبل.
الرؤية والسياسات: من التوسع إلى بناء الإنسان
قاد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم هذه الرؤية الاستراتيجية، حيث اعتبر التعليم الأساس لبناء الإنسان القادر على قيادة المستقبل، مؤكدًا أن بناء الدول لا يعتمد فقط على الموارد وإنما بالعقول المؤهلة والقيم والقدرة على الابتكار في عالم متغير.
وعلى مدى عشرين عاماً انعكست هذه الرؤية في سياسات شملت إعادة هيكلة المنظومة التعليمية، وتوسيع الاستثمار في التعليم العام والخاص والعالي، وتطوير أدوات الرقابة والجودة وربط المخرجات بأهداف التنمية، حتى أصبحت الإمارات نموذجاً تعليمياً يحافظ على قدرته على التكيف مع الأزمات والتحولات الكبرى.
النمو والتوسع المدرسي في الدولة ودبي
وفي ظل التطور، توسعت المنظومة المدرسية من حيث العدد والانتشار، ليبلغ عدد المدارس الحكومية أكثر من 520 مدرسة، وتدرس في الدولة أكثر من مليون طالب وطالبة، وتشكل طلبة المدارس الحكومية نحو 295 ألفاً من الإجمالي، فيما ينتشر بقية الطلبة بين مدارس القطاع الخاص الذي يشهد نمواً مستمراً في الإقبال على خدماته التعليمية.
ويصل إجمالي عدد المدارس الحكومية والخاصة إلى أكثر من 1300 مدرسة على مستوى الدولة، وهو ما يعكس اتساع قاعدة الخدمات التعليمية وتغطيتها للمناطق الجغرافية المختلفة وتوفير فرص تعليمية متكافئة تلبي احتياجات المجتمع وتنوعه السكاني.
ومنذ منتصف العقد الأول من الألفية، وضعت دبي التعليم في صدارة أولوياتها، فعملت على إعادة تشكيل منظومته بما يتوافق مع صفتها كمدينة عالمية وتنوعها السكاني والثقافي، كما لم يكن الهدف مجرد استيعاب الطلب المتزايد، بل بناء نظام تعليمي مرناً عالي الجودة وقادراً على المساءلة ويربط التعليم بالتنمية الاقتصادية والتطور التكنولوجي.
المنظومة التنظيمية وجودة التعليم الخاص في دبي
شهد التعليم الخاص في دبي توسعاً ملحوظاً في عدد المدارس والطلاب، لكن هذا التوسع جاء ضمن إطار تنظيمي واضح تقوده هيئة المعرفة والتنمية البشرية التي تأسست في 2006، لتقود مرحلة جديدة في إدارة التعليم.
أسست الهيئة نموذجاً رقابياً متقدماً يعتمد التفتيش الدوري وتقييم الأداء وفق معايير معلنة، ونشر نتائج المدارس بشفافية أمام المجتمع، ما أسهم في ترسيخ ثقافة الجودة والمساءلة، وتحول التعليم الخاص من التركيز على الكم إلى التركيز على النوع، مع تحسين نواتج التعلم وتطوير أساليب التدريس وتوفير بيئات تعليمية محفزة، وربط أي زيادة في الرسوم بمستوى الأداء.
النمو النوعي والواقعية الرقمية في القطاع الخاص
وتظهر الإحصاءات أن قطاع المدارس الخاصة في دبي شهد تحوّلاً هيكلياً منذ 2006، فبلغ عدد الطلبة في المدارس الخاصة نحو 156,504 طالباً في العام الدراسي 2007-2008، ثم تضاعف مع مرور السنوات ليصل في 2024-2025 إلى 387,441 طالباً، دالّة على النمو المستمر للقطاع وقدرته على استيعاب الزيادة السكانية وتنوع الجنسيات ضمن إطار تنظيمي منضبط.
ويؤكد هذا المسار التصاعدي أن النمو في التعليم الخاص لم يكن مرتبطاً بفترة زمنية محددة فقط، بل نتج عن سياسات تعليمية طويلة الأمد تركز على الجودة والتنوع والاستدامة، ففي العام الدراسي 2024-2025 ارتفعت نسبة الالتحاق بواقع 6% مقارنة بالعام السابق، وتوزع الطلبة على 227 مدرسة خاصة في دبي، وهو أعلى رقم مسجل في تاريخ القطاع حتى الآن، ما يعكس ثقة الأولياء وجاذبية دبي كوجهة تعليمية إقليمية وعالمية.
تنوع المناهج والهوية الوطنية والكوادر البشرية
وتظهر دبي بتنوعها أن نحو 185 جنسية تقيم في الإمارة، كما يواصل المنهج البريطاني تصدره من حيث عدد المدارس والطلبة، فثمّة كذلك مناهج هندية وبكالوريا دولية وأمريكية وغيرها، ما وفر خيارات واسعة تتناسب مع تطلعاتهم الأكاديمية والثقافية، مع الحفاظ على الهوية الوطنية واللغة العربية وتوافق المناهج مع قيم المجتمع المحلي.
وفي الموارد البشرية، بلغ عدد المعلمين والمعلمات في مدارس القطاع الخاص 27284 معلماً ومعلمة، تشكل المعلمات نحو 78% من الكادر مقابل 22% من المعلمين، ويأتي هذا التزايد متوازياً مع ارتفاع أعداد الطلبة منذ 2005 لضمان وجود نسب مناسبة تعزز جودة التعليم في المراحل التأسيسية.
التنوع السكاني والالتزام بالجودة والاستدامة
وتبرز ديموغرافيا دبي من خلال أن العشر جنسيات الأكثر حضوراً تستحوذ على نحو 76% من إجمالي الطلبة، بما يقارب 294,824 طالباً، وتهدف استراتيجية التعليم 33 إلى تمكين الطلبة وتحسين جودة التعليم وتعزيز الشراكة مع أولياء الأمور، مع ضمان أن يظل النمو الكمي متوازناً مع التطور النوعي في نواتج التعلم.
وتجسد أحد أبرز ملامح التجربة التعليمية في دبي التنوع الكبير للمناهج التي تتيح مدارس تتبنى البريطاني والأمريكي والبكالوريا الدولية والهندية وغيرها، وهو تنوع يواكب أكثر من 185 جنسية تقيم في الإمارة، مع الحفاظ الجهات التنظيمية على توجيهات الهوية الوطنية واللغة العربية.
وعلى صعيد الكوادر التعليمية، سعت دبي إلى استقطاب معلمين من مختلف دول العالم مع تشديد متطلبات الترخيص والتطوير المهني المستمر، فبات دور المعلم لا يقتصر على نقل المعرفة فحسب بل يتعداه إلى تعزيز التفكير النقدي والعمل الجماعي والتعلم الذاتي لدى الطلبة بما يتوافق مع متطلبات القرن الحادي والعشرين.
الإنجازات الدولية والتحول الرقمي
وذكرت الإمارات أنها حققت نتائج متقدمة في دراسة TIMSS 2023، إذ احتلت المركز الأول عربياً في مقياس تقدم الطلبة في الصفين الرابع والثامن في مادتي العلوم والرياضيات، وشاركت في الدراسة أكثر من 64 دولة من دول العالم، كما أن الإمارات من بين ثلاث دول فقط أحرزت تقدماً ملحوظاً في نتائج مادة العلوم بين جميع الدول المشاركة. وفي مقارنة مع TIMSS 2019، سجل أداء طلبة الإمارات في 2023 قفزة نوعية في الصف الرابع بمقدار 17 نقطة في الرياضيات و22 نقطة في العلوم، وفي الصف الثامن ارتفع الأداء بمقدار 15 نقطة في الرياضيات و14 نقطة في العلوم.
وتحوّلت منظومة التعليم في الإمارات خلال العقدين الأخيرين من نموذج تقليدي يعتمد على الكتب والشرح إلى نموذج تعلّم حديث قائم على التكنولوجيا والمعرفة الرقمية، تماشياً مع توجيهات الدولة لبناء مدرسة حديثة تواكب المستقبل.
وقامت وزارة التربية والتعليم بتوجيه العملية التعليمية نحو بيئة رقمية متكاملة تعتمد دمج التكنولوجيا في جميع مكوّنات التعلم، بدءاً من طريقة تقديم الدروس وصولاً إلى أساليب التقييم، وتوسعت الوزارة في إدخال منصات رقمية لحل الواجبات وتنظيم التعلم، ما أتاح للطالب أداء مهامه عبر بيئات تعليمية ذكية تراجع المحتوى وتتابع تقدمه وتتيح التفاعل إلكترونياً مع المعلم.
كما أصبح استخدام الحاسوب داخل الصف جزءاً أساسياً من العملية التعليمية، حيث تعتمد المدارس الأجهزة اللوحية وبرامج المحاكاة والتجارب الافتراضية، لتعزيز مهارات الطالب في البحث والتحليل واستخدام أدوات العصر.
وبرزت الاختبارات الإلكترونية كمكوّن رئيس في تقييم الطلبة، حيث تعتمد الوزارة على الاختبارات الرقمية لقياس مهارات التفكير العليا وتقديم تقارير فورية وتكافؤ الفرص بين الطلبة، وتأتي هذه التطورات في إطار استراتيجية اقتصاد المعرفة، مع إدراج مادة الذكاء الاصطناعي في المناهج من رياض الأطفال حتى الصف الثاني عشر بداية من العام الدراسي 2025-2026، بهدف تمكين الطلبة من فهم أساسيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته وبناء جيل قادر على الابتكار والتصميم وحل المشكلات وقيادة المستقبل المعرفي للدولة.