اخبار العالم

صدمات متتالية تضغط الاقتصاد البريطاني وتخفض مستويات المعيشة

أعلنت صحيفة التلغراف البريطانية أن كل فرصة لتعافي اقتصاد بريطانيا من فترة ركود طويلة تتعرض لصدمة جديدة تعيده إلى نقطة البداية. وبعد تداعيات جائحة كورونا وأزمة ارتفاع تكاليف المعيشة، جاءت الحرب مع إيران لتوجه ضربة إضافية لجهود إعادة الاقتصاد إلى مسار أقوى. وتؤكد الصحيفة أن الاقتصاد البريطاني يتأثر بهذه الصدمات بصورة أشد من اقتصاديات مماثلة، وهو ما ينعكس في تراجع مستويات المعيشة وتحمل الأسر العبء الأكبر من الضغوط الاقتصادية.

وتوضح البيانات أن التضخم بلغ نحو 3% في بداية العام، وهو الأعلى بين دول مجموعة السبع، فيما ارتفعت البطالة بشكل ملحوظ منهية فترة طويلة من الاستقرار في سوق العمل البريطاني. ويصل معدل بطالة الشباب حاليًا إلى نحو 16.1% وهو أعلى مستوى منذ أكثر من عقد، متجاوزًا المتوسط الأوروبي وحتى المعدلات المسجلة في إيطاليا التي كانت تُعد في السابق من الاقتصادات الضعيفة. كما لم يشهد نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي تغيرًا يُذكر منذ ما قبل جائحة كورونا، ما يعني أن الاقتصاد البريطاني أصبح فعليًا أقل ثراء مقارنة ببعض نظرائه الأوروبيين. ولا تقتصر الأزمة على المؤشرات الاقتصادية، بل تمتد إلى دخل الأفراد، إذ تشير البيانات إلى أن متوسط الأجور الأسبوعية الحقيقية يكاد يوازي مستويات 2008 بعد احتساب التضخم، ما يعكس نحو 17 عامًا من ضعف نمو الأجور.

تحديات اقتصادية داخلية

وأشار خبراء اقتصاديون إلى وجود نقاط ضعف بنيوية في النموذج البريطاني، منها الاعتماد على استيراد السلع والخدمات والطاقة إضافة إلى انخفاض الإنتاجية في قطاعات واسعة يفاقم الفوارق في الأجور. وتفاقمت المعاناة مع بداية الحرب، حيث ارتفعت أسعار البنزين بنحو 7 بنسات للتر منذ نهاية فبراير، كما ارتفعت أسعار الديزل بنحو 16 بنسًا. ورغم أن سقف أسعار الطاقة الذي حددته الحكومة يوفر حماية مؤقتة لبعض الأسر، فإن أكثر من مليون منزل يعتمد وقود تدفئة خارج هذا السقف، ما أدى إلى ارتفاع فواتير الطاقة فعليًا.

وتؤدي الضغوط على الأسر إلى ارتفاع تكلفة الاقتراض بعدما تراجعت توقعات خفض سعر الفائدة، إذ ارتفعت تكلفة الاقتراض في الأسواق المالية وتراجع احتمال خفض سعر الفائدة الأساسي في المدى القريب. وتظهر التقديرات أن توقعات أسعار الفائدة في بريطانيا بعد عام ارتفعت بنحو 0.65% مقارنة بما كانت عليه قبل أسبوعين، وهو ارتفاع يفوق التغيرات المتوقعة في منطقة اليورو والولايات المتحدة. كما أدى ذلك إلى سحب العديد من أفضل عروض التمويل العقاري، فارتفع متوسط تكلفة الرهن العقاري مجددًا إلى أكثر من 5% لأول مرة منذ أغسطس الماضي، ما يزيد الأعباء الشهرية على المشترين الجدد أو من يعيدون تمويل قروضهم.

التكاليف الحكومية والدين العام

وتواجه الحكومة ضغوط كبيرة مع اقتراب الدين العام من نحو 3 تريليونات جنيه إسترليني، كما ارتفعت عوائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات إلى نحو 4.76%، بزيادة تتجاوز 0.5% منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط.

وبحسب التقديرات الرسمية، فإن ارتفاع عائد السندات بنسبة 1% يضيف نحو 10 مليارات جنيه سنويًا إلى تكلفة خدمة الدين. كما يؤدي ارتفاع سعر الفائدة الأساسي بنحو نفس النسبة إلى زيادة إضافية قدرها 5 مليارات جنيه سنويًا.

ويرى محللون أن الأزمات العالمية المتلاحقة تفسر جزءًا من الصعوبات، لكن تأثير بريطانيا الأكبر يشير إلى عوامل داخلية إضافية. من بين هذه العوامل قيود التخطيط العمراني التي تحد من استخدام الأراضي، وسياسات خفض الانبعاثات التي تؤثر في إمدادات الطاقة، إضافة إلى تشديد اللوائح بعد الأزمة المالية العالمية، ما يحد من توافر التمويل ويزيد التكاليف.

كما فقدت المملكة جزءًا من تنافسيتها في سوق الطاقة، إذ ارتفعت تكلفة الكهرباء الصناعية إلى نحو أربعة أضعاف مستوياتها في الولايات المتحدة. وفي سوق العمل أسهمت الزيادات الكبيرة في الحد الأدنى للأجور وتزايد أعباء التأمينات الاجتماعية والتشريعات الجديدة في تقليل رغبة الشركات في التوظيف، ما أدى إلى ارتفاع البطالة خاصة بين الشباب.

وتخشى السلطات النقدية البريطانية من أن الصدمات المتكررة قد ترسخ معدلات تضخم مرتفعة لفترة أطول، إذ تجاوز التضخم هدف 2% الذي يحدده البنك المركزي عدة مرات خلال السنوات الماضية، ما يزيد الحاجة إلى تشديد السياسة النقدية للحفاظ على استقرار توقعات الأسعار. ويبقى صعود أسعار الطاقة بعد إغلاق مضيق هرمز داعمًا لتوقعات الأسواق بقاء التضخم مرتفعًا مع احتمال ارتفاعه إلى نحو 4% بنهاية العام وربما تجاوز هذا المستوى في السنوات المقبلة. وبذلك تظل آمال تحسن مستويات المعيشة بعيدة بالنسبة لغالبية البريطانيين، مع استمرار الضغوط الاقتصادية لفترة طويلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى