اخبار الامارات

الجار.. وصية تتخطّى الجدار

تشكّل الجيرة اليوم إحدى الركائز الأساسية التي تعزز الأمان المجتمعي وترفع جودة الحياة اليومية، إذ تُعد العلاقة بين الجيران مساحة إنسانية تتجلى فيها قيم التعاون والتكافل والتواصل خصوصاً في المجتمعات التي تقوم على الترابط والتلاحم.

يولي الإسلام مكانة رفيعة للجيران ويؤكد على مراعاة حقوق الجار والإحسان إليه في تفاصيل الحياة اليومية، ويشير الدكتور أحمد بن عبدالعزيز الحداد إلى أن القرآن قرن حق الجار بحق الله وحقوق الخلق عندما يقول تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا … وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ). وهذا التأكيد يعكس عظم مكانة الجار والضرورة الإحسان في الاختلاط اليومي.

اجتماعياً تمثل العلاقة بين الجيران شبكة دعم غير رسمية تظهر أهميتها في المواقف اليومية والطارئة، بدءاً من تبادل الزيارات والمبادرات البسيطة، وصولاً إلى تقديم المساندة خلال الأزمات والظروف الصحية والسفر.

وتوضح الدكتورة هبة محمد عبدالرحمن، مستشارة تربوية، أن التواصل بين الجيران يسهم في تعزيز الشعور بالانتماء وتقليل العزلة الاجتماعية، وينعكس إيجاباً على الصحة النفسية، خصوصاً لدى كبار السن والعائلات الجديدة في الأحياء السكنية.

وتضيف أن الاستجابة السريعة في الحالات الطارئة وتقديم العون عند الأزمات تعززان الإحساس بالأمن المجتمعي، فيما تشير دراسات علم الاجتماع الحضري إلى أن الأحياء ذات الروابط القوية تتمتع بمستويات أعلى من الثقة والاستقرار الأسري.

وتبيّن أن الانتماء حاجة نفسية أساسية وفق تسلسل احتياجات ماسلو، فوجود جار يعرفك ويهتم بك يعزز الشعور بأنك جزء من محيط اجتماعي داعم، وهذا عامل مهم للحماية النفسية والاجتماعية).

وتبرز الجيرة الطيبة في تفاصيل بسيطة لكنها عميقة الأثر، مثل تبادل الأطباق في المناسبات، الاطمئنان على الجار، أو المبادرة بالمساعدة دون طلب، وهي ممارسات يومية تعزز الثقة المتبادلة وتحوّل الحي إلى مساحة أكثر دفئاً وإنسانية.

ومع تسارع نمط الحياة وتغير طبيعة المدن ظهرت أشكال حديثة للجيرة، منها مجموعات التواصل الخاصة بالأحياء التي أسهمت في تعزيز التنسيق والتعاون، فباتت امتداداً رقمياً للعلاقات الاجتماعية التقليدية.

وتحمل ذاكرة المجتمع في طياتها قصصاً تعكس عمق الجيرة، حيث يروى أن الجار كان السند وقت المرض أو السفر أو الطوارئ، وهو ما يعزز فكرة أن الجار قد يكون الأقرب حضوراً في اللحظات الفاصلة من الحياة، وتُسهم هذه التجارب الواقعية في ترسيخ قيمة الجيرة للأجيال الجديدة وتؤكد أن بناء علاقة إيجابية مع الجيران استثمار اجتماعي طويل الأمد.

وخلال شهر رمضان المبارك تتجدد مظاهر الجيرة من خلال تبادل الأطباق والزيارات والمبادرات التطوعية، ما يعزّز روح التراحم ويعيد إحياء العادات الاجتماعية الأصيلة التي تشكّل جزءاً من الهوية المجتمعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى