
تتابع السلطات القبض على عدد من ممارسي العلاج بالطاقة الذين يزعمون أنهم يشفون المرضى عبر ما يسمونه بتنقية الطاقة، وتثير هذه الحملة أسئلة حول ما إذا كان ما يقدمونه آمنًا وموثقًا علميًا أم مجرد ادعاءات غير مثبتة.
يربط كثير من هؤلاء الممارسون الإجراء بمفاهيم قديمة عن توازن الطاقة في الجسم، كما يروّجون لاستخدام سحب الدم كطريقة لإطلاق طاقة طبية أو إزالة “الطاقة الشريرة” من الجسم، وهو أمر لا تحلّله العلوم الحديثة ولا تدعمه الأدلة الطبية الموثوقة.
يُظهر السياق أن المسألة ليست مجرد ممارسة فردية بل نقاشًا مجتمعيًا وقانونيًا حول حق الناس في العلاج وبين مسؤولية الجهات عن حماية الصحة العامة ومنع الخطر أو الاحتيال. إذ قد يؤدي الاعتماد على مثل هذه الإجراءات إلى مخاطر صحية مباشرة وتدهور في الثقة بالطب المبني على الأدلة.
الجذور التاريخية للفصد والأفكار المرتبطة به
الجذور النظرية للفصد ترجع إلى فكرة أن الجسم يحتوي على سوائل رئيسية يجب حفظ توازنها، وإن ازدياد أحدها يسبب المرض. فكان يُفترض أن التخلص من الفائض عبر إراقة الدم يساعد في استعادة التوازن الصحي، وهذا التصور انتشر في حضارات عديدة ثم ترسخ في أوروبا لقرون طويلة.
في العصور القديمة اعتمد أطباء بارزون هذه الفكرة ووسعوا استخدامها، فاعتبر الدم العنصر الأكثر تأثيرًا في التوازن الداخلي، ما جعل الفصد إجراءً شائعًا لعلاج الحميات والصداع والتهابات متعددة، بل وُجدت فتوحات لاستخدامه في سياقات وقائية أيضاً.
تطورت أساليب الفصد عبر العصور من شق الوريد إلى استخدام كؤوس مفرغة من الهواء وخدش الجلد أحياناً، كما عُملت العلقات الطبية التي تمتص الدم وتفرز مواد مضادة لتجلط الدم، حتى أن الحلاقين قاموا أحياناً بمهمة الفصد في فترات تاريخية محددة، وهو ما يعكس انتشار الإجراء وتنوع ممارسيه في الماضي.
الجدل الطبي والتحول العلمي
مع تطور علم التشريح وفهم الدورة الدموية بدأ الشك يزداد في جدوى الفصد كبناء علاجي عام، وأجرى أطباء في عصور لاحقة مقارنات منهجية بين من تلقوا العلاج ومن لم يتلقوه فخلصوا إلى أن فائدته قليلة مقارنة بما كان يُعتقد. تدريجيًا تراجع استخدامه مع صعود طب يقوم على الملاحظة الدقيقة والتجارب السريرية، رغم أن تاريخ الطب أظهر أن عوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية قد ساهمت في استمرار الممارسة لقرون.
توضح مراجعات تاريخية أن الاعتماد على الفصد استمر في بعض حقبه بسبب ترابطه مع ثقافة المجتمع وثقة الناس بممارسيه، إضافة إلى غياب أدوات البحث العلمي الدقيقة في فترات سابقة، ما سمح باستمرار الممارسة دون تقييم منهجي صارم.
الاستخدامات الطبية الحديثة ومآلاتها
اليوم لا يُستخدم الفصد كعلاج عام وإنما كإجراء محدود في حالات لها أساس فسيولوجي واضح وتحت إشراف طبي دقيق، مثل تنظيم مستويات الحديد في الدم في بعض أمراض الدم ونخاع العظم، إضافة إلى حالات معينة من اضطرابات تصنيع الهيم، حيث تُسحب كميات محدودة من الدم لتقليل تراكم الحديد أو لخفض لزوجة الدم في سياقات مرضية محددة.
كما عادت العلقات في بعض التطبيقات الطبية pasienة لإعادة التروية وتخفيف الاحتقان الوريدي بعد إجراءات جراحية، مستفيدة من المواد المضادة لتجلط الدم التي تفرزها. ومع ذلك، يظل العمل الطبي الحديث يعتمد على مبادئ الدليل العلمي والتشخيص المؤكَّد، وتوجد حدود واضحة لاستخدامات الفصد أو أي إجراء يتضمن سحب الدم.
لماذا استمر هذا النوع من الممارسات رغم الشكوك؟ يعود جزء من السبب إلى عوامل اجتماعية وثقافية وغياب البحث العلمي الدقيق في فترات تاريخية، إضافة إلى ثقة المرضى بممارسي العلاج بالطاقة وما يروّجون له من نتائج ساحرة. أما اليوم، فالتقييم العلمي يشير إلى أن مفهوم “الطاقة الشريرة” كسبب للمرض ليس له أساس في الطب المعاصر، وأن القرارات العلاجية الصحيحة يجب أن تستند إلى تشخيصات وإرشادات مدعومة بالأدلة العلمية، وأي إجراء يتضمن سحب الدم يجب أن يكون مبررًا طبيًا واضحًا وتحت إشراف طبي لتفادي المضاعفات ومخاطر الإضرار بالصحة العامة.
في ضوء ذلك تشير الوقائع الحديثة إلى أن القبض على ممارسي العلاج بالطاقة يعكس قلق الجهات الصحية من الممارسات التي قد تكون ضارة أو احتيالية، وتؤكد ضرورة الالتزام بأدلة علمية وشفافية في تقديم العلاجات واحترام قواعد السلامة الطبية لحماية المرضى والمجتمع.