
تشهد منطقة شرق أوكرانيا امتداد خطوط القتال عبر دونيتسك حتى مشارف سلوفيانسك وكراماتورسك، وتتحول الحرب إلى مشهد مختلف؛ السماء مزدحمة بالطائرات المسيرة، والطرقات مغطاة بشباك صيد معلّقة على أعمدة خشبية لاصطياد الدرونات الانتحارية قبل وصولها إلى أهدافها.
الصمود والتقنيات العسكرية
في الداخل، تصطف شاشات تعرض لقطات حية وبيانات من الطائرات المسيرة، وتخضع لتحليلات برمجية عسكرية متقدمة، فتلتقط الكاميرات تحركات الجنود بين الأنقاض، فيما يوجّه المشغّلون القوات عبر أجهزة اتصال لاسلكية وسماعات رأس ونداءات تعريف دقيقة.
أما اليوم، فتكفي كابلات ألياف ضوئية فائقة الرقة بطول 25 كيلومتراً لنقل البيانات والفيديو، وتوضع داخل حاوية صغيرة مدمجة في هيكل الطائرة، لا يتجاوز حجمها حجم زجاجة مبيّض.
الوضع الإنساني والسياسي العسكري
على الأرض، تبدو مدن مثل سلوفيانسك وكراماتورسك حصوناً محصّنة تحيط بها خنادق وأسنان تنين خرسانية، فيما يعيش من تبقى من السكان تحت تهديد دائم، وتنهال آلاف المدنيين نزوحاً غرباً، لكن كثيرين يرفضون مغادرة أرضهم، حيث يواصل رجال دين ومتطوعون توزيع الخبز والمساعدات قرب خطوط النار في مؤشر إلى شبكة تضامن مجتمعي تبقي الحياة قائمة وسط الدمار.
سياسياً، يرفض الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي التخلي عن أراضٍ استولت عليها روسيا، رغم ضغوط دولية لإقرار وقف إطلاق نار، وتطالب موسكو بتنازلات إقليمية واسعة تشمل أجزاء من دونيتسك وزابوروجيا وخيرسون، وهي شروط ترى كييف أنها تمهّد لهجوم روسي جديد بعد إعادة تنظيم القوات.
عسكرياً، تواجه أوكرانيا تحديات حادة، أبرزها نقص الأفراد واستنزاف طويل الأمد، وتواجه عمليات التجنيد الإجباري بتردد اجتماعي، وتقدّر مصادر رسمية عشرات الآلاف من القتلى والمفقودين، ومع ذلك لا تظهر مؤشرات انهيار، ف المدن الكبرى وعلى رأسها كييف ما زالت تعمل رغم الهجمات المتكررة على البنية التحتية للطاقة، كما أعادت أوكرانيا تنشيط مجمعها الصناعي العسكري مركّزة على تطوير قدرات بعيدة المدى لضرب العمق الروسي.
الدعم الغربي، خصوصاً الاستخباراتي والتقني، يظل عاملاً حاسماً، حتى مع تذبذب المساعدات العسكرية، حيث تموّل أوروبا وتساهم في تزويد كييف بالذخائر وأنظمة الدفاع الجوي، في حين تبقى الولايات المتحدة مصدراً رئيسياً للمعلومات الاستراتيجية.
إذن، لماذا لا تزال أوكرانيا صامدة؟ لأنها ليست صراع نفوذ فحسب، بل معركة هوية وبقاء، مزيج من الابتكار العسكري والتماسك المجتمعي والقيادة السياسية الرافضة للتنازل والدعم الدولي—رغم محدوديته—أنتج معادلة تمنع الانهيار. في شرق البلاد، يبقى الصمود خياراً يومياً يفرض نفسه على الحياة رغم الدمار.