اخبار العالم

«كواليس جنيف»: التهميش حوّل أوروبا إلى «متفرج»

جرى في جنيف لقاء حاسم بدا فيه حضور الوفود الأوروبية مجرد وجود في ردهات الانتظار لتناول القهوة، كإشارة ساخرة من وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف، بل كان إعلاناً ميدانياً عن ولادة «ثنائية قطبية» تُدار من فوق رؤوس الأوروبيين.

يعكس ما جرى في جنيف تقاطع مصالح صامت بين إدارة ترامب والكرملين؛ فبينما يرى ترامب في القادة الأوروبيين عبئاً مالياً وبيروقراطياً يعطل صفقاته، تراهم موسكو تابعين فاقدي السيادة لا جدوى من الحوار معهم ما دام الأمريكي الأصل جالساً على الطاولة.

سخرية لافروف وتعليقات المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف تعكس موقفاً حازماً إزاء بنية المفاوضات؛ ففي جنيف (2026)، لم تكن الوفود الأوروبية مجرد ضيوف غير مرحب بهم، بل كانوا ضحايا اتفاق ضمني بين واشنطن وموسكو.

ترامب، في تصريحاته الأخيرة قبل «جنيف»، لمح إلى أن «تعدد الطباخين يفسد الطبخة»، وهو إشارة واضحة لروسيا بأنه يفضل صيغة (2 + 1): أميركا وروسيا كطرفين مقررين، وأوكرانيا طرفاً معنيّاً، مع استبعاد تام لبروكسل.

قناعة واقعية

هذا الاستبعاد الروسي–الأمريكي المشترك نابع من قناعة واقعية؛ فروسيا ترى أن المطالب الأوروبية بخصوص «المحكمة الدولية» و«التعويضات» هي شروط تعجيزية تمنع أي تقدم، بينما يرى ترامب أن هذه المطالب «أيديولوجية» تعوق إغلاق ملف النزاع الذي يستنزف ميزانيته.

لذلك، حين جلس لافروف مع الجانب الأمريكي، كان الاتفاق الأولي هو تحييد «التدخّل الأوروبي» وركنه في غرف الانتظار.

ويرى مراقبون أن أوروبا استبعدت نفسها عندما وضعت كل أوراقها في سلة «العداء المطلق» لروسيا، ما أفقدها صفة «الوسيط»؛ وهو ما عبّر عنه بيسكوف حين قال إن الأوروبيين «لا يستطيعون تقديم مساهمة»، لأن المساهمة في العرف الروسي الحالي تعني تقديم تنازلات جيوسياسية مثل رفع العقوبات أو ضمانات أمنية، وهي أمور ترفضها أوروبا.

النتيجة أن القرار الأمني الأوروبي يعد في «مطبخ» أمريكي–روسي، بينما يُطلب من القادة الأوروبيين فقط «التوقيع على الفاتورة» لاحقاً، وهو ما يفسر حالة الإحباط في باريس وبرلين التي بدأت تشعر بأنها خسرت روسيا تجارياً ولم تكسب أمريكا استراتيجياً.

بنود سرية

يأتي هذا على إيقاع ما أشيع سابقاً عن «بنود سرية» عرضها ترامب على بوتين في جنيف بخصوص القواعد العسكرية، ويشير مراقبون إلى أن هذه المسألة هي جوهر الخلاف الذي جعل الوفود الأوروبية «تتناول القهوة» في الخارج بينما يجري تقرير مصير قارتهم في الداخل.

«المقايضة الكبرى» التي يعتقد أن ترامب تداولها مع بوتين تقطع مرتكزات أساسية لأوروبا، عبر إعادة رسم خارطة القواعد، حيث تتضمن بنود ترامب تقليص الوجود العسكري الأمريكي في دول شرق أوروبا مقابل ضمانات روسية بوقف التمدد.

ترامب يرى أن هذه القواعد مكلفة، والرئيس الروسي بوتين يراها تهديداً، فاتفقا على إزاحتها فوق رؤوس الأوروبيين. لكن هذه الخطوة تعني بالنسبة للأوروبيين «خيانة أمنية»، لأنها تترك القارة مكشوفة أمام موسكو من دون المظلة الأمريكية التقليدية.

الحقيقة المرة التي تبلورت خلف الأبواب المغلقة في جنيف هي أن أوكرانيا، التي أرادتها أوروبا جسراً للتوسع شرقاً، أصبحت في الرؤية الأمريكية–الروسية «منطقة عازلة» محايدة قسراً.

وبينما كان الأوروبيون يرتشفون قهوتهم في الخارج، كانت واشنطن وموسكو تعيدان رسم خارطة الطاقة والأمن في القارة، تاركتين لباريس وبرلين فاتورة الإعمار والتبعات الاقتصادية فقط، دون أن يكون لهما حق «الفيتو» على الاتفاقيات التي ستحدد وجه القارة للعقود القادمة. لقد تحولت أوروبا من لاعب دولي إلى موضوع للتفاوض، في مشهد يعيد للأذهان حقبة الحرب الباردة حيث تُقرَّر مصائر الصغار في غرف الكبار المغلقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى