
أضيئت فوانيس رمضان في الشوارع وتوسعت موائد الإفطار، فظهر جيش صامت يعمل بلا ضجيج، جنود مجهولون لا تتصدر أسماؤهم العناوين، لكن أثرهم حاضر في كل وجبة إفطار وكل طرد غذائي وكل ابتسامة ترسم على وجه محتاج. إنهم المتطوعون، ركيزة العمل الإنساني وروح المبادرات الرمضانية، حيث تتلاقى جهود المواطنين والمقيمين على هدف واحد: خدمة الإنسان، وصناعة الأثر الإيجابي، ورد الجميل لهذا الوطن المعطاء.
بدأت عجلة العمل التطوعي بالدوران مبكراً قبل دخول شهر رمضان المبارك، ففرق شبابية وأفراد من مختلف الأعمار والجنسيات يجتمعون تحت مظلة مؤسسات خيرية وإنسانية، أو عبر مبادرات مجتمعية، لوضع خطط دقيقة تشمل حصر الأسر المتعففة، وتجهيز السلال الغذائية، وتنظيم موائد الإفطار، وحملات توزيع الوجبات.
أكد عدد من المتطوعين أن العمل التطوعي خلال الشهر الفضيل يحمل معنى مختلفاً، كونه يجمع بين العبادة وخدمة المجتمع، لافتين إلى أن الاستعداد لرمضان يبدأ مبكراً، عبر تجهيز الطرود الغذائية وتنظيم فرق التوزيع، مؤكدين أن أجمل ما في التطوع هو الإحساس بأنك جزء من منظومة إنسانية تدخل الفرح إلى بيوت قد لا نعرف أصحابها، لكننا نشعر بقربهم.
رسالة إنسانية
أوضح علي البلوشي، مسؤول العلاقات الحكومية في جمعية بيت الخير ومسؤول الفريق الميداني لتوزيع الوجبات، أن العمل الميداني يشكل إحدى الركائز الأساسية في تحقيق رسالة الجمعية وترجمة قيم العطاء والمسؤولية المجتمعية على أرض الواقع.
أوضح أن فرق التوزيع الميداني تحرص على الوصول إلى العمال المقيمين والأسر المتعففة في مختلف المناطق، وتقديم الوجبات بأسلوب يحفظ كرامتهم ويعكس احترام إنسانيتهم، مشيراً إلى أن هذا الدور يتطلب تنسيقاً عالياً وروح فريق متكاملة وإحساساً عميقاً بالمسؤولية تجاه المجتمع.
أضاف أن ما تقوم به الجمعية لا يقتصر على توزيع المساعدات، بل يهدف إلى تعزيز التلاحم الاجتماعي وبث الطمأنينة في نفوس المستفيدين، انسجاماً مع نهج دولة الإمارات في دعم العمل الخيري وترسيخ ثقافة التكافل دون تمييز.
أشار زياد اليافعي، سكرتير قسم الخدمات والمخازن في الجمعية ومتطوع في الفريق الميداني، إلى أن العمل التطوعي رسالة إنسانية يعتز بها، مشيراً إلى أن مشاركته في توزيع الوجبات عززت قناعته بأن التطوع أحد أعمدة التماسك المجتماعي في دولة الإمارات.
أشار عيسى عبدالله، متطوع في فريق التوزيع الميداني، إلى أن التطوع أصبح جزءاً لا يتجزأ من حياته اليومية، لما يمنحه من شعور بالسعادة والرضا، مؤكداً أن كل وجبة تُقدَّم ليست مجرد طعام، بل رسالة اهتمام ورحمة.
قال أحمد سعيد، متطوع في الفريق ذاته، إن العمل التطوعي هو ترجمة عملية لقيم التراحم التي قامت عليها دولة الإمارات، مؤكداً أن الكلمة الطيبة والابتسامة الصادقة جزء أصيل من رسالة العمل الخيري.
قال جمعة المنصوب، متطوع، إن ساعات العمل الطويلة لا تشكل عبئاً بقدر ما تمثل دافعاً للاستمرار، مضيفاً أن التعب يزول فور رؤية الامتنان في عيون المستفيدين، ومشيراً إلى أن العطاء في رمضان يمارس بصمت بعيداً عن الأضواء.
صبر وتعاون
أوضحت الطالبة مريم محمد أن العمل التطوعي غير نظرتها للحياة، علمها الصبر والقيادة والتعاون، وأصبحت تشارك أسرتها في هذه الأنشطة حتى تحولت إلى ثقافة عائلية.
قالت إن المبادرات التطوعية تتيح للشباب رد الجميل لهذا البلد وتعزز قربهم من الناس وقيم التسامح التي يعيشونها يومياً.
أسلوب حياة
أوضحت جمعية بيت الخير أن مؤسسات العمل الخيري تلعب دوراً محورياً في تنظيم الجهود التطوعية وتوفير التدريب وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها بكفاءة، فضلاً عن تعزيز الشراكة بين القطاعين الحكومي والمجتمعي.
أكدت أن العمل المنظم يقلل الهدر ويضمن عدالة التوزيع ويحفظ كرامة المستفيدين، مشيرة إلى أن التطوع في الإمارات لم يعد نشاطاً موسمياً بل ثقافة متجذرة وأسلوب حياة يعكس قيم الخير والتسامح.
أفادت هيئة تنمية المجتمع بدبي بأن عدد المتطوعين خلال عام 2025 بلغ نحو 105 آلاف متطوع، فيما بلغ عدد الفرق التطوعية 31 فرقة، ووفرت منصة دبي للتطوع 6122 فرصة تطوعية، من بينها 269 فرصة تخصصية، وأشارت الهيئة إلى أن الشباب يشكلون النسبة الأكبر من المتطوعين في المبادرات الرمضانية مدفوعين بقيم العطاء والانتماء والمسؤولية المجتمعية.
أكد الدكتور جاسم المرزوقي، اختصاصي نفسي وأسري، أن التطوع خلال شهر رمضان يلعب دوراً محورياً في تعزيز التماسك الأسري وبناء منظومة قيمية إيجابية داخل المجتمع.
أوضح أن مشاركة أفراد الأسرة مع أبنائهم تسهم في غرس مفاهيم العطاء والتعاطف والمسؤولية لدى الأبناء وتحول التطوع من نشاط موسمي إلى ثقافة حياة مستدامة.
ويشير إلى أن التطوع يمنح الأسرة شعوراً بالإنجاز المشترك ويعزز التواصل بين أفرادها، كما ينعكس إيجاباً على الصحة النفسية من خلال تنمية الإحساس بالرضا والانتماء.