
يُعاد الهريس إلى المائدة الإماراتية كطبق تقليدي يختصر ذاكرة المكان وروح المشاركة التي تميّز المجتمع.
فالهريس، الذي أُدرج ضمن قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي عام 2023، يظل واحداً من أبرز الأطباق التي تعكس الهوية الغذائية والثقافية للإمارات.
ويقوم هذا الطبق على بساطة المكونات وعمق الدلالة. قمح يُطهى ببطء مع اللحم أو الدجاج لساعات طويلة، قبل أن يُضرب حتى يصل إلى قوامه الناعم، ثم يُتوَّج بالسمن البلدي، في مشهد يجمع بين النكهة الأصيلة والطقس التراثي.
الهريس كرمز للضيافة والصبر
وحضور الهريس في رمضان يتجاوز كونه وجبة إفطار، إذ يرتبط بعادات اجتماعية راسخة مثل توزيعه على الجيران والأقارب، وتقديمه في المجالس والمناسبات المختلفة، من الأعراس والأعياد إلى مجالس ختم القرآن ومناسبة الطلوع، ما يجعله طبقاً يجمع الناس حوله بقدر ما يغذيهم.
وفي الماضي، كان إعداد الهريس فعلاً اجتماعياً بامتياز تجتمع الأسر حول القدر الكبير، ويتابع ضارب الهريس عملية الطهي لساعات، بينما ينتظر الجميع لحظة اكتمال القوام والنكهة. كما شكّل تنور الهريس أحد أبرز الطقوس، حيث يُدفن القدر في الجمر طوال الليل ليخرج صباحاً بطبق يحمل مذاق الصبر والمهارة.
ورغم التحولات التي شهدتها طرق التحضير مع دخول الأدوات الحديثة، بقيت قيمة الهريس الرمزية ثابتة، إذ يرى كثيرون أن الهريس المضروب يدوياً يحتفظ بروحٍ خاصة لا تمنحها الآلات.
والهريس، بوصفه ممارسة اجتماعية وطقساً تراثياً، تتأكد معه أن الأكلات الشعبية ليست مجرد وصفات تُحفظ، بل ذاكرة تُعاش، تتجدد في كل رمضان وتعيد سرد قصة الكرم والضيافة التي شكّلت ملامح المجتمع الإماراتي عبر الأجيال.