يبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعيش واحدة من أعقد مراحل مسيرته السياسية، مع تصاعد الضغوط عليه داخليًا وخارجيًا، في ظل أزمة غزة المتفاقمة، وتآكل رصيده السياسي رغم النجاحات العسكرية الأخيرة ضد إيران.
فبعد انتهاء المواجهة العسكرية القصيرة بين إسرائيل وإيران، والتي استمرت 12 يومًا وانتهت بوقف إطلاق نار في 25 يونيو الماضي، تنفس نتنياهو الصعداء مؤقتًا.
الضربات الدقيقة التي استهدفت منشآت نووية إيرانية منحت حكومته بعض الاستقرار الداخلي، وأسهمت في توحيد صفوف الائتلاف. غير أن الرهانات التي كان من المتوقع أن يستثمرها في التهدئة أو الحلول الدبلوماسية في غزة، بدأت تتبدد سريعًا.
وبينما يستعد لإطلاق مرحلة أكثر تصعيدًا في القطاع، من خلال خطة تهدف للسيطرة الكاملة عليه، يواجه نتنياهو تحديًا غير مسبوق من داخل المؤسسة العسكرية نفسها.
تقارير إسرائيلية كشفت عن مواجهة حادة مع رئيس الأركان إيال زامير، الذي عارض بشكل علني تلك الخطط، مما دفع نتنياهو إلى الرد بتهديد مباشر: “إذا لم يوافق، يمكنه الاستقالة”.
هذا التوتر في دوائر القرار تزامن مع استياء شعبي متزايد. استطلاع للرأي أجرته القناة 12 الإسرائيلية أظهر أن 67% من الإسرائيليين لا يشعرون بأن سياسات الحكومة تمثلهم، بينما عبّر 62% عن تأييدهم لاتفاق شامل يضمن إطلاق سراح الرهائن في غزة، مقابل 28% فقط أيّدوا استمرار العملية العسكرية.
ومع عودة صور الرهائن الإسرائيليين إلى واجهة الإعلام، تصاعدت مشاعر الغضب والصدمة في الشارع الإسرائيلي.
الصور التي أظهرت الشابين إيفياتار ديفيد وروم براسلافسكي وهما في أوضاع صحية صعبة داخل غزة، جابت شاشات التليفزيون وساحات المدن، بما في ذلك العرض اللافت لها في “تايمز سكوير” بنيويورك، بتمويل من القنصلية الإسرائيلية، في محاولة لإثارة تعاطف دولي.
في السياق ذاته، بدأت أجهزة الأمن والاستخبارات تعبر عن استيائها بصوت مرتفع. فقد أصدر رئيسا الشاباك والموساد السابقان بيانًا مصورًا دعوا فيه إلى وقف الحرب، مؤكدين أن استمرار نتنياهو في هذا المسار يُعرّض “أمن إسرائيل وهويتها” للخطر.
دوليًا، تقلص هامش المناورة أمام نتنياهو. مع إعلان فرنسا وبريطانيا وكندا عن نيتها الاعتراف بالدولة الفلسطينية خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر المقبل، بدأ الدعم الأوروبي يتراجع.
حتى في واشنطن، التي ظلت لفترة طويلة حليفًا لا يُمس، ظهرت مؤشرات تباعد. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الحليف الأقرب لنتنياهو، انتقد بشكل غير مباشر الأوضاع في غزة قائلًا: “ما أراه مجاعة حقيقية. لا يمكن تزييف تلك الصور”.
ولم تكن تصريحات ترامب الوحيدة التي تثير القلق في تل أبيب، فداخل الكونغرس الأمريكي بدأ الانقسام يتسع. في نهاية يوليو، صوّت 27 عضوًا ديمقراطيًا في مجلس الشيوخ ضد نقل الأسلحة إلى إسرائيل، مقارنة بـ15 فقط في تصويت مماثل قبل ثلاثة أشهر.
كذلك، ظهرت أصوات يمينية مثل النائبة مارجوري تايلور غرين تتهم إسرائيل بارتكاب “إبادة جماعية”، في تحول خطير في نبرة تيار لطالما دعم تل أبيب دون شروط.
ومع اقتراب نهاية المهلة التي حددها ترامب لروسيا في أوكرانيا، وتوجهه نحو تعزيز إرثه كـ”صانع سلام” في مناطق نزاع متعددة، من بينها إفريقيا وآسيا، تبدو غزة وكأنها ورقة يحاول نتنياهو الاحتفاظ بها، ولو كانت خاسرة، في مواجهة ضغوط لم تعد تقتصر على الداخل، بل تخنقه من كل الجهات.
