اخبار العالم

إعادة التسلّح في أوروبا: ذرائع معلنة ودوافع مبطنة

أكدا نايتون وبروير في رسالة مشتركة نشرتها الغارديان البريطانية وصحيفة Die Welt الألمانية أنهما يتحدثان ليس فقط كقادة عسكريين لاثنتين من أكبر الدول الإنفاقاً في المجال الدفاعي، بل كصوت لأوروبا؛ كأنهما يستحضران المقولة اللاتينية التاريخية «إذا أردت السلام فاستعد للحرب»، إذ يرون أن روسيا تحولت بشكل حاسم نحو الغرب من خلال حربها في أوكرانيا وتستدعي تغييرا جذريا في مسألة الدفاع والأمن في جميع أنحاء أوروبا.

هذه الدعوة ليست مجرد رفع للميزانيات كما جرى من قبل، بل محاولة لرسم مسار دخول أوروبا في مرحلة «اقتصاد الحرب» وتثبيت القناعة بأن التهديد الروسي واقع يتطلب تغييراً جذرياً في فلسفة الأمن الأوروبية التي سادت منذ نهاية الحرب الباردة.

وهو يتوافق مع تصريح أمين عام حلف الناتو بأن من يرى إمكانية مواجهة روسيا بدون دعم أمريكي فهو يحلم.

ويرى خبراء ومحللون عسكريون أن الدوافع الحقيقية وراء هذا التوجه تتجاوز «الدفاع عن أوكرانيا» لتصل إلى بناء استقلال استراتيجي أوروبي في ظل حالة عدم اليقين التي تخيم على الدور الأمريكي المستقبلي في الناتو، وفي ظل إدراك العواصم الأوروبية بأن مخازن الذخائر وقدرات الصناعات الدفاعية لا تكفي لخوض صراع عالي الكثافة يستمر لأكثر من أسابيع قليلة.

هذا الضغط العسكري يقابله دافع مبطن يتمثل في الرغبة في تحفيز الماكينة الصناعية الأوروبية وخلق قطاعات تقلل الاعتماد على السلاح الأمريكي. وفي المقابل، تبرز جبهة معارضة قوية ترى في هذا الاندفاع نحو إعادة التسلح مقامرة خطيرة.

في نقاش شهده البرلمان الألماني، حذر محللون اقتصاديون من أن اقتطاع ميزانيات التعليم والضمان الصحي لصالح صفقات التسلح سيؤدي إلى تصدع الجبهات الداخلية ونمو الحركات الشعبوية التي قد تستثمر في تدهور الخدمات العامة والغضب الشعبي الناجم عنه.

ويرى هؤلاء أن «الحجة الأخلاقية» التي قدمها نايتون وبروير هي في جوهرها التفاف على العجز عن إيجاد حلول دبلوماسية، وأن سباق التسلح قد يؤدي بالضرورة إلى وقوع صدام يسعى الجميع لتجنبه.

بين هذين التوجهين يقف خبراء العلاقات الدولية أمام معضلة «الأمن القومي مقابل الأمن الاجتماعي». فبينما يصر القادة العسكريون على أن ثمن السلام هو الاستعداد الدائم للحرب، يرى محللون مثل فرانسوا هيزبورغ من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أن أوروبا تواجه الآن «لحظة الحقيقة»؛ فإما أن تتحمل كلفة التحول إلى قوة عسكرية حقيقية مع كل ما يترتب على ذلك من أعباء، أو تظل رهينة لتهديدات قادمة من الشرق قد تغير خارطة القارة للأبد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى