
تحول في نهج واشنطن تجاه أوروبا
كشف خطاب روبيو في مؤتمر ميونيخ عن تحوّل جذري في أسلوب إدارة الرئيس ترامب الثانية لعلاقات الولايات المتحدة مع أوروبا؛ فهو لم يأت ليعلن القطيعة كما فعل نائب الرئيس فانس، بل ليطرح صيغة «القومية المتحدة» التي تربط أمن أوروبا بمشاركتها في مشروع «التجديد الحضاري» الذي تقوده واشنطن، في مشهدية ترى أوروبا مضطرة للتصرف كأنها بلا مظلة أمنية أميركية عاجلاً أم آجلاً.
استخدم روبيو لغة عاطفية حين وصف أميركا بأنها «ابنة أوروبا»، مستذكراً التراث الثقافي المشترك ليغلف بها مطالب أميركية صلبة تتعلق بتخلي أوروبا عن سياسات المناخ والصناعة التقليدية والهجرة الجماعية، قائلاً إنها خيارات تقود إلى «انحدار حضاري اختياري».
يعيد هذا الخطاب تعريف التحالف الأطلسي من شراكة مؤسساتية وقانونية إلى «رابطة هوية» تفرض من الأوروبيين انحيازاً تاماً للرؤية الأميركية مقابل البقاء تحت حماية واشنطن.
وفي المقابل تبنت قوى أوروبية كبرى مثل ألمانيا وفرنسا منطق الواقعية الدفاعية الذي يتجاوز قلق التقلّبات السياسية الأميركية، حيث أشار المستشار الألماني فريدريش ميرتس بشكلٍ هادئ إلى أن الحروب الثقافية الأميركية ليست شأناً أوروبياً وأن الدستور الألماني يحد من التدخل في ما يسميه واشنطن حماية.
مع ذلك بدأت برلين وباريس محادثات سرية لإنشاء «قوة ردع نووية أوروبية» مستقلة، وهو تحول يعني عملياً أن أوروبا بدأت تعتمد على مسار التعامل كطلاق استراتيجي مع واشنطن كواقع لا مفر منه، وأن زمن الاعتماد المطلق على واشنطن قد ولى، وأن «لغة القوة» هي المفتاح لجعل صوت القارة مسموعاً في نظام عالمي لم يعد يحترم القواعد القديمة.
وفي الواقع، يتوقع أن يشهد حلف شمال الأطلسي تغيراً بنيوياً يعيد تعريف ميزان القوى داخله، مع نقل القيادة التشغيلية تدريجياً إلى الأوروبيين نتيجة «الانسحاب الناعم» الأميركي من مهمات الحماية التقليدية، وهو ما تجلى في قرار واشنطن تسليم مراكز قيادة حيوية لضباط أوروبيين، وتزامنه مع مطالبة ترامب برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الدخل القومي.
سيؤدي هذا التوجه إلى ظهور «ناتو ذي قطبين»؛ يقود الأميركي التكنولوجيا والردع الاستراتيجي ضد الصين، بينما يتحمل الأوروبيون العبء الأمني القاري والميداني.
يُعزز هذا المسار نفوذ محور فرنسا-ألمانيا داخل الحلف، لكنه يضع وحدة القارة أمام اختبار صعب؛ فبناء جيش أوروبي موحد يقتضي تنازلات سيادية ومالية قد تعجز عنها الدول الأقل ثراءً، مما يحوّل الحلف إلى مظلة فضفاضة تحمي مصالح القوى الكبرى وتبقى الدول الصغيرة رهينة التوافقات الكبرى بين واشنطن وبرلين وباريس.
لا يبدو مؤتمر ميونيخ 2026 منصة للحلول، بل مقياساً لمسار النظام العالمي؛ إذ لم تعد الفجوة بين المصالح قابلة للإخفاء، وتبقى الأسئلة مطروحة: هل انتهى عصر التبعية الأوروبية لأميركا؟ يحتاج ذلك إلى زمن لجلائه، لكن قد نكون أمام حقبة جديدة يحافظ فيها من يملك القوة والقدرة على حماية حدوده وقيمه بمفرده، ما يجعل التحالف الأطلسي عند مفترق طرق؛ إما شراكة واقعية بين قوتين مستقلتين، أو انحداراً نحو تفكك بطيء ينهى أكبر تحالف عسكري في التاريخ.