اخبار الامارات

الإمارات.. رائدة إنسانية ورؤية تنموية تتخطّى آفاق الجغرافيا

تؤكد الإمارات مكانتها كأحد أبرز المانحين الإنسانيين على مستوى العالم، مستندة إلى نهج متجذر في قيم العطاء والتكافل أرساه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ومواصلة لمسيرة إنسانية جعلت خدمة الإنسان محور الرؤية الوطنية والخارجية. وبمبادرات نوعية ومؤسسات متكاملة، تحوّلت الدولة من فاعل مانح إلى قوة عالمية تؤثر في هندسة الاستجابة والتنمية، لتثبت أن العمل الإنساني استثمار طويل الأمد في استقرار المجتمعات وتنميتها.

وفي مشهد يعكس الحس الإنساني الإماراتي، أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حملة «حدّ الحياة» بالشراكة مع منظمات دولية لإنقاذ خمسة ملايين طفل دون الخامسة من خطر الجوع وسوء التغذية، لتضع الإمارات في قلب أبرز التحديات الإنسانية وتقدم نموذجاً من العطاء المتنامي باعتباره حقاً للحياة والكرامة الإنسانية وليس مجرد مساعدات وقتية.

قضايا إنسانية

تعامل الإمارات المساعدات باعتبارها عنصرًا بنيوياً من سياستها الوطنية، فبقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة عززت منظومتها المؤسسية بإصدار مرسوم اتحادي عام 2024 لتشكيل «مجلس الشؤون الإنسانية الدولية» لمتابعة القضايا الإنسانية، وبإنشاء «وكالة الإمارات للمساعدات الدولية» لتوحيد الجهود وإدارة العمليات الإغاثية الخارجية باحترافية عالية، ما يعكس تحولاً حقيقياً نحو الحوكمة ذات التخطيط الاستراتيجي والتأثير المستدام.

منذ تأسيس الاتحاد عام 1971 حتى منتصف 2024 بلغ إجمالي المساعدات 368 مليار درهم (98 مليار دولار)، وصلت إلى أكثر من مليار مستفيد في 200 دولة ومنطقة، ما يجعل الإمارات ضمن أكبر خمس مانحين دوليين قياساً بالقيمة المطلقة للمساعدات، متفوقة على كثير من الاقتصادات المتقدمة.

سبق للدولة أن احتلت المركز الأول عالمياً لسنوات في تقرير اللجنة الإنمائية التابعة لـ OECD-DAC من حيث نسبة المساعدات إلى الدخل القومي، إذ قاربت 1% متجاوزة الهدف الدولي 0.7%، وهو إنجاز تحقق بمجهود استثنائي وملموس في الاستدامة والتأثير التنموي.

في قطاع غزة برزت الإمارات كأكبر مانح منفرد لجهود الإغاثة عبر عملية «الفارس الشهم 3» التي أطلقها رئيس الدولة، حيث شكلت مساعداتها نحو 46% من إجمالي المساعدات الدولية وفق تقارير الأمم المتحدة. نفذت الإمارات 737 رحلة جوية، وأبحرت 24 سفينة، وعبرت 10 آلاف شاحنة محملة بالأدوية والغذاء ومواد الإيواء، بإجمالي مساعدات تجاوزت 2.6 مليار دولار حتى مطلع 2026، وتلك الأرقام تُظهر تفوقاً في العمل الميداني على مستوى العالم وتجاوزاً للخطابات السياسية.

تضامن عابر للأزمات

في أوروبا الشرقية عززت الإمارات حضورها الإنساني بدعم الشعب الأوكراني بموجب اتفاق مع مؤسسة الإمارات للمساعدات الدولية ومؤسسة أولينا زيلينسكا، بقيمة 4.5 ملايين دولار لإنشاء مراكز رعاية للأيتام والأسر الحاضنة، وبلغ عدد المستفيدين 1.2 مليون شخص بينهم مليون امرأة وطفل، في مبادرة نموذجية للمساعدات الإنسانية الخالية من الاصطفاف السياسي في زمن أزمات عالمية معقدة.

أما في أفريقيا فقد ارتفعت قيمة المساعدات للسودان إلى 4.24 مليارات دولار خلال عقد، منها 784 مليون دولار منذ اندلاع الأزمة في 2023، وتصدرت الإمارات قائمة المانحين للسودان بنسبة 17.7% من تمويل المجتمع الدولي. وفي مؤتمر المانحين الذي استضافته الولايات المتحدة في فبراير 2026 التزمت الإمارات بتقديم 500 مليون دولار إضافية، مؤكدة استمرار نهجها الداعم بعيداً عن تقلبات السياسة.

من تشاد إلى الصومال وميانمار جسدت الإمارات سرعة الاستجابة في مواجهة الكوارث الطبيعية، ففي 2025 شحنت 700 طن من الإمدادات إلى الصومال، ووزعت تشاد 30 ألف سلة غذائية و20 ألف بطانية، وأرسلت إلى ميانمار أكثر من 367 طناً من المواد الإغاثية، كما شاركت فرق إماراتية في إخماد حرائق ألبانيا الكبرى، وهو دليل على تطور أدوات العمل الإنساني إلى شراكة فاعلة في الميدان مع التركيز على التأثير المستدام.

مبادرات استراتيجية

داخلياً، أطلقت عام 2024 «مبادرة إرث زايد الإنساني» بقيمة 20 مليار درهم لدعم المجتمعات الأكثر احتياجاً حول العالم، بما في ذلك برنامج مستشفيات الإمارات العالمية لبناء عشرة مستشفيات جديدة بتكلفة تقارب 550 مليون درهم خلال العقد القادم. وفي فبراير 2025 أطلقت حملة «وقف الأب» لتأسيس صندوق وقفي مستدام بقيمة مليار درهم لدعم الرعاية الصحية للفقراء، بما يكمل منظومة المبادرات الإنسانية ذات الأثر المتجدد.

على مستوى الأزمات العالمية حجزت الإمارات دوراً محورياً في دعم تركيا وسوريا عقب زلزال فبراير 2023 ضمن عملية «الفارس الشهم 2»، وتقديم مساعدات عاجلة للمغرب بعد زلزال سبتمبر 2023، ومساندة ليبيا إثر إعصار «دانيال»، إضافة إلى مساهمات لهذا العام بلغت 100 مليون دولار إلى لبنان و30 مليوناً لدعم النازحين إلى سوريا، أُرسلت ضمن 18 طائرة و772 طناً من الإمدادات، إضافة إلى سفينة حاوية تحمل 2000 طن من المواد الإغاثية، وهو ما جعل الإمارات ضمن الدول الأكثر سرعة في الاستجابة وفق تقييم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

أنفقت مؤسسة مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية أكثر من 2.2 مليار درهم خلال 2024 على مشاريعها في التعليم والرعاية الصحية وتمكين المجتمعات، شملت بناء وتجهيز مستشفيات في اليمن والسودان وأفغانستان، إضافة إلى إرسال فرق طبية للمناطق النائية وتنفيذ مبادرات علاج مجانية، ما يجعل المؤسسة ضمن أبرز الكيانات الخيرية الكبرى في الشرق الأوسط ويعكس الانتقال من المساعدات العاجلة إلى التمكين المستدام. كما امتدت مبادراتها إلى دول مثل الفلبين وإثيوبيا ونيجيريا ونيبال وموريتانيا وجنوب أفريقيا والكاميرون والكونغو الديمقراطية وغيرها، وتنوع الدعم بين المساعدات الغذائية والطبية ومشاريع التنمية المستدامة كحفر الآبار وبناء المستشفيات والمدارس.

بوصلة الغاية ونموذج نهضوي

في عالم تتقاطع فيه المصالح وتتصاعد فيه تحديات العالم، تثبت الإمارات أن الإنسان هو البوصلة والغاية، وأن العطاء سياسة دولة وهوية وطن، وليس مجرد مبادرة ظرفية. من خلال حضورها الإنساني المتنامي ترسم الإمارات نموذجاً في الدبلوماسية الإنسانية يعتمد على الاستباق والاستدامة، فتجمع بين العون والتأثير التنموي الحقيقي وتصبح تجربتها محط دراسة لدى المنظمات الدولية كأحد أبرز نماذج القرن الحادي والعشرين في بناء التضامن العالمي.

وفي المشهد الإنساني العالمي تقف الإمارات إلى جانب دول يحسب تاريخها من رواد المساعدات الإنمائية، لكن ما يميز التجربة الإماراتية سرعة الاستجابة واتساع النطاق الجغرافي، فبينما تتفاوت نسبة المساعدات الخارجية للدول المتقدمة من نحو 0.92% إلى 1.02% من الدخل القومي، حافظت الإمارات على نسبة تقارب 1% لسنوات متتالية، متخطية بذلك المعيار الأممي ومحققة تداخلاً بين العون وأهداف التنمية والاستقرار السياسي للمناطق المتضررة. وتؤكد بيانات لجنة المساعدات الإنمائية أنها ضمن أكبر خمس جهات مانحة عالمياً بقيمة إجمالية ترفع تأثيرها إلى مستوى عملي وملموس على الأرض.

هذا التفوق ليس في الأرقام وحدها، بل في تحول الإمارات إلى مركز عالمي لعمليات الإغاثة والتخطيط الإنساني، حيث تمثل نموذجاً يدمج القيم العربية الإسلامية بمفاهيم الحوكمة العالمية في إطار يحفّز التضامن الدولي ويعزز قدرة الشعوب على البناء والتعافي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى