“إجازة للهروب من الضغط”.. متلازمة نفسية تدفع البعض لادعاء المرض
في ظل الضغوط اليومية المتزايدة، باتت بعض العيادات وأقسام الطوارئ تستقبل حالات مرضية غير اعتيادية، حيث يطلب عدد من الأفراد إجازات طبية رغم غياب أسباب صحية واضحة، وهي حالات وصفها مختصون بأنها قد تنتمي إلى ما يُعرف بـ”متلازمة الافتعال”، وهي اضطراب نفسي يعكس محاولة غير واعية للفرار من الأعباء النفسية أو المهنية.
يرى أطباء متخصصون أن الفارق كبير بين شخص مريض نفسيًا ويطلب إجازة بسبب إرهاق حقيقي مرتبط بحالته، وآخر يتعمد الادعاء دون وجود أعراض حقيقية بغرض التهرب من العمل أو التزامات الحياة.
وفي بعض الحالات، يكون اللجوء إلى هذا السلوك وسيلة لا شعورية للهروب من بيئة مليئة بالتحديات أو للظفر بمكاسب نفسية واجتماعية.
ومن وجهة نظر علم النفس، توضح الدكتورة ريهام عمار أن بعض الأفراد قد يشعرون فعليًا بأعراض جسدية ناتجة عن ضغوط داخلية، ما يدفعهم لطلب الراحة لكنها تُشير إلى أن جذور هذا التصرف غالبًا ما تكون نفسية عميقة، و تتراوح بين الخوف من المسؤولية، وصعوبة التكيّف، والرغبة في لفت الانتباه أو تقليل حجم المهام اليومية.
وتُبرز عمار أن هؤلاء الأشخاص لا يدركون أحيانًا أن أعراضهم مفتعلة أو مبالغ فيها، لأن دوافعهم النفسية تكون لاشعورية. وعلى النقيض، هناك فئة أخرى تتعمد التلاعب وتزوير الأعراض من أجل راحة مؤقتة أو استغلال النظام الطبي للحصول على الإجازات.
وتؤكد أن العيادات النفسية تستقبل مثل هذه الحالات بشكل متكرر، حيث تتداخل الأعراض الجسدية والنفسية بشكل يجعل التشخيص معقدًا، مما يستدعي تقييمًا نفسيًا دقيقًا لتحليل دوافع الشخص وتحديد ما إذا كان يعاني من اضطراب حقيقي أم لا.
أما في أقسام الطوارئ، فتوضح الدكتورة مي خلفان الكتبي أن هناك حالات تظهر بشكل متكرر دون وجود تبرير طبي حقيقي، ما يدفع الأطباء إلى اتباع إجراءات صارمة لضمان دقة التشخيص، ومنها ، الاستفسار المباشر عن سبب المراجعة، إجراء فحص سريري شامل، مراجعة السجل الطبي للمريض، مراقبة تكرار الزيارات، والتواصل الحيادي لفهم الدوافع النفسية المحتملة.
وفي السياق ذاته، يُشدد الدكتور حسن المشتهري، استشاري الباطنية، على أهمية التعامل الدقيق مع هذه الحالات، خاصة أن بعض المرضى يطلبون تقارير طبية دون وجود أعراض فعلية، وهو ما يتطلب فحصًا سريريًا دقيقًا ومقارنة الأعراض بالفحوص والتحاليل.
ويُشير إلى أن أنماط السلوك المفتعل الأكثر شيوعًا تشمل نزيفًا غير مفسر، قيئًا مبالغًا فيه، أو فقدانًا متكررًا للوعي، وهي أعراض لا تتوافق غالبًا مع تشخيصات طبية واضحة، ما يزيد الشكوك حول نية المريض.
ويختم المشتهري بالتأكيد على ضرورة مراعاة الطبيب للجانب الإنساني في تعامله مع هذه الحالات، حتى في ظل الشك، مؤكدًا على أهمية التنسيق بين التخصصات الطبية، لا سيما الطب النفسي، لوضع خطة علاجية متكاملة في حال ثبت وجود اضطراب نفسي يحتاج إلى تدخل علاجي حقيقي.
هذا الطرح يُبرز أهمية الوعي بالصحة النفسية في بيئة العمل، ويدعو إلى تعزيز الدعم النفسي للموظفين لتقليل اللجوء إلى مثل هذه الأساليب الدفاعية، وضمان بيئة مهنية صحية وآمنة نفسيًا.