الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقاً جديدة لتعليم أصحاب الهمم ويذلل العقبات أمامهم
بات الذكاء الاصطناعي لاعباً رئيساً في مشهد التعليم الحديث، لا سيما في دعم أصحاب الهمم، حيث يقدّم حلولاً فعالة لعشرة تحديات أساسية تعترض طريقهم التعليمي، مثل صعوبة الوصول إلى المحتوى المناسب، ومحدودية التواصل الناتجة عن الإعاقات الحسية، وتفاوت الاحتياجات الفردية، إضافة إلى نقص الموارد التعليمية المتخصصة، وغياب فرص التعلّم الذاتي.
وبحسب ما أكده عدد من الخبراء ، فإن هذه التقنيات المتطورة تسهم بشكل مباشر في تعزيز مشاركة الطلبة من أصحاب الهمم داخل الفصول الدراسية، وتوفر تقييماً دقيقاً لأدائهم، وتكسر حواجز الحركة، عبر أدوات تعليمية مبتكرة تُعزز مبدأ التمكين والتعلم الشامل، مما يمهّد الطريق أمام تعليم أكثر عدلاً وشمولية.
التقارير الصادرة عن منظمة «اليونسكو» تشير إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي تساهم في سد الفجوة بين الطلبة من أصحاب الهمم وزملائهم، من خلال تطبيقات ترجمة فورية للغة الإشارة، وتحويلها إلى صوت مسموع والعكس، ما يسهم بفعالية في دمج الطلبة الصم والبكم ضمن البيئة التعليمية بطريقة طبيعية وسلسة.
كما تبرز تقنيات الواقع المعزز والافتراضي كوسيلة قوية تتيح للطلبة من ذوي الإعاقات الحركية استكشاف بيئات تعليمية افتراضية من منازلهم، والانخراط في تجارب تعليمية غنية دون الحاجة إلى التنقل أو التعرض للعوائق الجسدية.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور ستيفين جلاسكو، نائب رئيس كلية إدنبرة وخبير الذكاء الاصطناعي التوليدي، أن التعليم يشهد نقلة نوعية في آليات تقديمه بفضل هذه التكنولوجيا، التي لم تعد ترفاً تقنياً، بل أصبحت ضرورة ملحّة لتوفير بيئة تعليمية تتناسب مع القدرات والاحتياجات الخاصة للطلبة، وعلى رأسهم أصحاب الهمم.
وأضاف أن تطوّر الذكاء الاصطناعي التوليدي والتعلّم الآلي والتفاعل الصوتي أسهم بشكل كبير في تقليص الفجوة التعليمية، ومكّن ذوي الإعاقات السمعية والبصرية والحركية من التعلّم بمرونة واستقلالية تامة.
ومن جانبها، أوضحت الدكتورة سمر سلمان، المتخصصة في تكنولوجيا التعليم، أن الذكاء الاصطناعي أصبح عنصراً محورياً في تكييف المحتوى الدراسي ليتوافق مع احتياجات الطلبة المختلفة، حيث تتيح تقنيات تحويل النص إلى صوت فرصة حقيقية لذوي الإعاقات البصرية لاستيعاب المناهج بسهولة، فيما تساعد أدوات التعرف إلى الكلام على تمكين الطلبة ذوي الإعاقات الحركية من الكتابة بالصوت فقط.
كما تقدم الخوارزميات المتقدمة تفسيرات مبسّطة ومرئية تناسب أصحاب اضطرابات التعلّم والتوحّد، وتتكيف تلقائياً مع مستوى الطالب وسرعة استيعابه.
أما شريفة محمد علي، المتخصصة في تعليم أصحاب الهمم، فقد بيّنت أن أحد أهم مكاسب الذكاء الاصطناعي في هذا السياق يتمثل في توفير التعلّم المخصص، حيث تقوم الأنظمة الذكية بتحليل أداء الطالب، ورصد نقاط قوته وضعفه، ومن ثم توجيه محتوى تدريبي يتوافق مع قدراته الفردية، ويتابع تطوّره المعرفي والمزاجي لتقديم الدعم في التوقيت الأمثل.
ورأت أمل فرح، خبيرة تصميم المناهج، أن الذكاء الاصطناعي غيّر المفهوم التقليدي للفصول الدراسية الثابتة، وبدّله بمفهوم التعلّم التكيفي، الذي يتناسب تماماً مع واقع أصحاب الهمم، حيث يستطيع كل طالب أن يتقدّم بالوتيرة التي تناسبه، ضمن بيئة تعليمية محفّزة وتفاعلية.
واختتمت فرح بالإشارة إلى أن التحديات التقنية والمالية التي قد تواجه بعض المؤسسات التعليمية لا تقلل من أهمية التوجّه الإماراتي نحو الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، مؤكدة أن هذا الاستثمار ليس فقط التزاماً أخلاقياً تجاه هذه الفئة، بل يمثل خياراً استراتيجياً لبناء منظومة تعليمية منصفة تتيح لكل طالب، مهما كانت قدراته، فرصة حقيقية للتعلّم والمشاركة والتفوّق.