
هوس العناية بالصحة.. قصة رجل تعافى من متلازمة طول العمر
يُعد اتباع الطعام الصحي وممارسة النشاط البدني أمراً إيجابياً ومطلوباً للحفاظ على الصحة العامة، ولكن الإفراط فيه إلى حد الهوس قد يصبح علامة على الإصابة بما يُسمى متلازمة طول العمر.
ووفقًا لصحيفة الغارديان، يصف هذا المصطلح تشخيصاً غير رسمي لهوس قهري ناجم عن المبالغة في الحفاظ على الصحة، وهو سلوك يربط الخوف من الموت بمحاولة مستمرة لإطالة العمر عبر أنظمة غذائية صارمة وتدريبات مكثفة.
استعرضت الصحيفة تجارب أشخاص مصابين بهذا الهوس، من بينهم جيسون وود، البالغ من العمر أربعين عامًا، الذي كان يراقب بدقة ما يأكله ويتقيد بالأطعمة العضوية أحياناً فقط، ويحصر السعرات الحرارية، ويحدد برنامجه الرياضي مرتين يوميًا سبع أيام في الأسبوع، ويتتبع وظائف جسده بشكل دقيق من معدل ضربات القلب إلى ضغط الدم ونسبة الدهون، حتى أنه كان يعمل على جدول نوم صارم ويراقب مستويات الجلوكوز طوال اليوم.
علاوة على ذلك، كان يزور عيادات الصحة بانتظام لتلقي محاليل الفيتامينات عبر الوريد وجلسات أكسجين عبر أنبوب أنفي، وتكلفة كل جلسة وصلت إلى مبالغ عالية، كما طلب إجراء العديد من تحاليل الدم كل ستة أشهر لفحص مؤشرات حيوية متعددة، ويقدّر أنه أنفق عشرات الآلاف من الدولارات على هذه العادات والتجهيزات، حتى وصل في لحظة من الضغط إلى انهيار بعدما طلب مطعمه خبزًا مع الحمص بدل الخضار النيئة كما كان يفعل دومًا، فشعر بأن حياته انهارت وأفضى ذلك إلى معاناة عاطفية عميقة وتوتر شديد.
وأشار إلى أنه كان يسعى في الأساس لإطالة عمره، لكنه أدرك لاحقاً أن الدعم النفسي وحده كان كفيلاً بتخفيف العبء الذي وضعه على نفسه، وهو ما دفعه إلى إعادة تقييم أولوياته وتخفيف قبضة السيطرة على التفاصيل اليومية التي لا يمكن التحكم بها دائماً.
ليست هذه مجرد حالة فردية، فهناك زيادة ملحوظة في أعداد المرضى الذين يعانون من عادات مشابهة، وفق الطبيب النفسي يان جيربر، الرئيس التنفيذي لإحدى العيادات السويسرية لإعادة التأهيل النفسي. ويربط جيربر بين سلوك هؤلاء الأشخاص وارتباطه باضطراب الأكل المعروف باسم أورثوركسيا، وهو هوس تناول الطعام الصحي وممارسة الرياضة بشكل مفرط، مع مخاوف وجودية من الموت.
يلاحظ جيربر أن الخوف من الفناء لم يعد قاصراً على فئة معينة، بل تزايدت العلاجات الحيوية التي تُقدَّم في ما يُسمّى عيادات إطالة العمر، وتجاوزت شهرة هذه العيادات حدود هوليوود والأثرياء لتشمل شرائح أوسع، كما أن أبحاث التسعينيات وأوائل الألفية عن إمكانات تعديل البيولوجيا لإبطاء الشيخوخة أثارت جدلاً وتزايدت خيارات العناية بالبشرة والتغذية، مع ارتفاع حجم سوق الطب البديل لمكافحة الشيخوخة وتوقّعات بنموه المستقبلي بشكل ملحوظ.
قدرت تقارير صحفية أن قيمة السوق العالمي للطب التكميلي والبديل لمكافحة الشيخوخة وصلت في فترات سابقة إلى أرقام كبيرة وتتوقع نمواً واسعاً حتى عام 2030، وهو ما أتاح لعدد من المشاهير نشر تجاربهم في سعيهم لإطالة العمر وتجديد البشرة و”تحديث” أجسادهم بطرائق مختلفة، وهو ما يفسر كيف انتشرت هذه الظواهر بين شريحة كبيرة من المجتمع وتحوّلت إلى اتجاه سلوكي واسع وتكلفة مالية عالية.
ترى لينا موكيرجي، كبيرة المعالجين النفسيين المعتمدين لدى الجمعية البريطانية للاستشارة والعلاج النفسي، أن نسبة كبيرة من مرضاها تظهر أعراض متلازمة هوس طول العمر، رغم أنهم قد لا يخضعون لعلاجات جذرية كالتبريد أو حقن الببتيدات، فقلقهم من طول العمر غالباً ما يتزايد منذ جائحة كورونا، وترافق مع زيادة في اليقظة المفرطة والنشاط الزائد، وكلها مظاهر لفقدان السيطرة على الحياة والانفصال عن الواقع.
وتشير موكيرجي إلى أن هؤلاء الأشخاص غالباً ما يكونون مهنيين حاصلي تعليم جامعي، وتتراوح أعمارهم بين الثلاثين والخمسين، ويعتمدون بشكل مفرط على الأجهزة والتقنيات، بينما قد تكون تجارب الطفولة المحرك الرئيس لهذا النوع من السلوك وتفقدهم الثقة في حكمهم الشخصي.
كما يلاحظ وجود ما يُطلق عليه متلازمة البطل الخارق لدى بعض العملاء الذين يحاولون التغلب على فقدان أو مرض، فبمجرد أن يدركوا أن دافعهم ينبع من شعور عميق بانعدام الأمن تبدأ تغيرات في سلوكهم، ويصبحون أقل حرصاً على صحتهم بشكل واقعي ويفقدون التوازن في حياتهم اليومية.
يؤكد الخبراء أن معالجة هذه المتلازمة تكون من خلال تعلّم المرضى إعادة التناغم مع أجسادهم بشكل فطري، عبر ممارسات مثل اليوغا وتمارين التنفس والرياضة، لكن بغرض المتعة والتوازن وليس الإفراط، كما أن العلاج بالكلام الذي يركز على قبول الموت غالباً ما يساعد المرضى على فهم القضايا العميقة والتعافي من الأفكار المرتبطة بالانفصال عن الواقع.