تشير الجلسة الحوارية في قمة العالم للحكومات إلى أن العالم يشهد تحولات ديموغرافية متسارعة، حيث أصبح انخفاض معدلات الإنجاب تحدياً يؤثر مباشرة في نمو الاقتصادات واستقرار المجتمعات، مع التأكيد على أن الحلول لا يمكن أن تكون موحدة بسبب اختلاف الخصائص الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بين الدول.
ملامح التحديات الديموغرافية
وتركز الجلسة على تداعيات انخفاض الخصوبة على الناتج المحلي الإجمالي واستحقاقات الضرائب وقوة العمل، إضافة إلى التحديات المرتبطة بارتفاع نسبة كبار السن.
وتناقش المشاركون ضرورة تبني استراتيجيات شاملة تشمل التعليم وتعزيز المهارات المستقبلية وتحفيز المجتمع على تبني سياسات أسرية مستدامة تتماشى مع خصوصية كل دولة.
تجربة دبي ورؤى المستقبل
واستعرضت الجلسة تجربة دبي كنموذج رائد في التخطيط المستقبلي للأجيال القادمة، حيث تركز المدينة على بناء اقتصاد مستدام ومجتمع متوازن مع ضمان فرص متساوية وتعليم يواكب احتياجات المستقبل ويضمن رفاهية الأجيال المقبلة.
كما شددت الجلسة على أهمية الاستفادة من الابتكار والتكنولوجيا بما في ذلك الذكاء الاصطناعي كجزء من الحلول المستقبلية للتكيف مع التحولات الديموغرافية بشكل فعال ومستدام.
وأكد نيكولاس ريدمان، مدير التحليل ورئيس أكسفورد للتحليلات، أن انخفاض الخصوبة عالمياً مقارنة بأفريقيا يؤثر على سياسات الحكومة المستقبلية، خاصة مع تحدي زيادة عدد كبار السن، مشيراً إلى أن وضع الخطط للاعتماد على الروبوتات والذكاء الاصطناعي يمكن أن يسد بعض الاحتياجات في قطاعات حيوية مثل الصحة، إلا أن انخفاض الخصوبة يمتد أيضاً إلى تراجع استحقاقات الضرائب.
وشدد ريدمان على أن التعليم يمثل أولوية لتعزيز المهارات المستقبلية، مؤكداً أن “خطط الحكومة يجب أن تنسجم مع رؤية شعوبها، وهو ما شهدناه في دول مثل هنغاريا وبولغاريا التي نفذت برامج لرفع معدلات الخصوبة.
وأوضح بول مورلاند، الخبير الديموغرافي، أن انخفاض أعداد دافعي الضرائب في الفئة العمرية من 20 إلى 60 عاماً يؤدي إلى اختلال في السياسات والخطط الاستراتيجية، مؤكدًا أنه لا يمكن الاعتماد فقط على التكنولوجيا في الرعاية الصحية، ويجب البحث عن وسائل وقاية منخفضة التكلفة لتعزيز معدلات الإنجاب. كما شدد على أهمية تعزيز ثقافة الأسرة في المجتمع، قائلاً: “لا يمكن أن تقتصر المدارس على تعليم الثقافة الجنسية دون تعليم الأولويات المتعلقة بتكوين الأسرة ودور الأب والأم، ويجب فتح حوار مستمر بين المسؤولين والأسر لضمان وعي الأجيال القادمة.”
وأشار إلى أن السياسات الحكومية ليست حلولاً موحدة، فقد تنجح خطة في دولة ولا تناسب أخرى، وحتى الخطط الحالية قد تصبح غير مناسبة بعد خمسين عامًا، مشيراً إلى أن المملكة المتحدة شهدت تراجعاً في معدلات الخصوبة خلال الخمسين عاماً الماضية دون أن يتحمل رئيس وزرائها المسؤولية، بينما اعترفت فرنسا منذ السبعينيات بأن هذا التحدي جزء من سياساتها الوطنية.
وأكدت كارول هيلتون، المؤسسة والرئيسة التنفيذية لمعهد اقتصادات الشعوب الأصلية، على الدور الريادي لدبي في مجال التعليم وتمكين الأجيال القادمة، مشيرة إلى أن زيارتها للمدينة تكشف قدرة القيادة الرشيدة على وضع خطط واستراتيجيات تؤثر مباشرة على المستقبل. وقالت: “الاقتصاد هنا مصمم لتحقيق استدامة طويلة الأمد، مع مراعاة مصالح الأجيال المقبلة.”
وأشارت إلى أهمية التعاون مع المجتمع في تحديد أولويات المستقبل، مؤكدة أن التفريق بين الحكمة والذكاء أساسي عند وضع استراتيجيات مستقبلية لضمان فعاليتها واستدامتها، حيث أن التحولات السكانية تتطلب سياسات مرنة تتكيف مع خصوصية كل دولة، مع التركيز على التعليم والثقافة الأسرية واستشراف المستقبل الاقتصادي والاجتماعي، كما أن الحلول لا يمكن أن تكون موحدة بل يجب أن تعكس رؤية الشعوب وخصوصية كل مجتمع لضمان بناء مستقبل مستدام ومزدهر.
