نخبة العقول البشرية تسطع باكتشافات تدفع العلم إلى قمم لم يسبق لها مثيل

انطلق منتدى الاكتشاف العلمي ضمن فعاليات القمة العالمية للعلماء اليوم، بالتزامن مع القمة العالمية للحكومات، ليؤكد أهمية ترسيخ الفضول العلمي وتشجيع الباحثين الشباب على المخاطرة الفكرية وتوفير بيئات بحثية ومؤسسات تموّل الأفكار غير التقليدية.

شدد العلماء المشاركون في المنتدى على أن أعظم الاكتشافات غالباً ما تأتي من متابعة الشغف العلمي، وأن رسم خرائط المجهول يتطلب الجرأة على طرح الأسئلة قبل معرفة الإجابات.

في كلمته الافتتاحية، قال البروفيسور راجيش غوبكومار، مدير المركز الدولي للعلوم النظرية، إن الأسئلة هي المحرك الأساسي للعلم حتى الأسئلة الضعيفة، بل وربما الضعيفة على وجه الخصوص، وأشار إلى أن عملية الاكتشاف العلمي مسار غير محدد النتائج؛ فقد تقود الإجابة إلى نتيجة مختلفة تماماً، وهو ما يشكل جوهر الحافز العلمي لدى الباحثين والعلماء. وأضاف: «إذا كنا بصدد رسم معالم المجهول، فإن ميكانيكا الكم ستكون مرشدنا ومنارتنا في العلوم الفيزيائية».

وتحدث البروفيسور مايكل كوستزليتز، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2016 وأستاذ الفيزياء بجامعة براون، عن دراسة حديثة بعنوان التحولات الطورية والانتقال البُعدي في المواد الصلبة المحصورة بطبقات، تقوم فكرتها على دراسة نظام مكوّن من طبقات ثنائية الأبعاد محصورة بين صفائح مستوية، مع إمكانية التحكم في المسافة بين هذه الصفائح.

وأوضح أنه عندما تكون المسافة صغيرة، تتشكل طبقة واحدة من الذرات، ومع زيادة التباعد تتكون طبقتان أو ثلاث، وهو ما يسمح بدراسة البنى والخواص الناتجة. في الطبقة الواحدة، تكون البنية عند درجات الحرارة المنخفضة مثلثة، وعند رفع الحرارة تتحول إلى سائل، وأول طور سائل نحصل عليه هو الطور السداسي (Hexatic phase) الذي يحتفظ بنظام توجيهي، لكن السؤال هو: ماذا يحدث عند زيادة المسافة والحصول على أكثر من طبقة؟

وأشار كوستزليتز إلى أن في الطبقة الواحدة يختفي النظام الانتقالي في بُعدين، لكن في حالة تعدد الطبقات يتحول الانتقال إلى انتقال من الدرجة الأولى مع ظاهرة التلاكؤ (Hysteresis) وتباعد بين منحنيي التسخين والتبريد، وهي خاصية تعتمد فيها حالة النظام على تاريخه السابق. وقال إن هذه النتائج، رغم أنها عددية بحتة، تسهم في تعميق فهم آليات الانصهار، وهي مسألة حيّرت الفيزيائيين لعقود طويلة.

من جانبه، قال البروفيسور دان شيختمان إن أبحاثه تركزت على تطوير السبائك المعدنية لتطبيقات في الفضاء والطيران، وتحديداً سبائك التيتانيوم والألومنيوم والمغنيسيوم، مؤكداً أن هذه السبائك تمثل مواداً خارقة تتحدى القوانين الهندسية القديمة. وأضاف أن تطوير التركيبة الصحيحة قد يستغرق عامين، لكن تطوير التكنولوجيا اللازمة لإنتاج هذه السبائك ووضعها في محرك نفاث يستغرق عشرين عاماً، فالتكنولوجيا ليست بالأمر الهين. وذكر أن أداة بحثه الأساسية كانت المجهر الإلكتروني النافذ، وهي أداة قوية جداً في علم البلورات، وأشار إلى أنه من خلال عمله اكتشف المركّبات شبه الدورية (Quasiperiodic)، وهو ما منحه عدة جوائز.

وأوضح أن البلورات كانت تُتصور دائماً كأنها طبيعتها دورية، لكن في عام 1982 وجدت سبيكة من الألومنيوم والمنغنيز تتميز بترتيب ذري واضح ولكنه غير دوري، ولها تماثلات مثل التماثل الخماسي، وكانت هذه نقطة اكتشاف مهمة في هذا المجال.

بينما تحدَّث الدكتور يي فانغ وانغ، الحاصل على جائزة بريكثرو في الفيزياء الأساسية لعام 2016، ومدير معهد فيزياء الطاقة العالية في الأكاديمية الصينية للعلوم، عن ما يُعرف بالنيوترينوات، وقال إن هذه الجسيمات تحيط بنا من كل جانب، إذ يبعث كل إنسان في هذه القاعة نحو 340 مليون نيوترينو يومياً.

وعن معضلة الكتلة، أشار وانغ إلى وجود تضارب بين النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات، الذي يفترض أن كتلة النيوترينو صفر، وبين النموذج الكوني، الذي يؤكد وجود كتلة لها، منوهاً إلى أنه بدون هذه الكتلة لن تكون هناك مجرات أو نجوم. واستعرض وانغ نجاح تجربة «دايا باي» (Daya Bay) التي تُعد من أهم التجارب في فيزياء الجسيمات في القرن الواحد والعشرين، فهي مشروع بحثي دولي بقيادة الصين والولايات المتحدة صُمم خصيصاً لدراسة جسيمات النيوترينوات الغامضة.

وتحدث البروفيسور ويليام دي فيليبس الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 1997، وأستاذ فيزياء متميّز بجامعة ميريلاند عن رؤيته لمستقبل «الكم»، متذكراً الثورة الأولى التي قامت على ازدواجية «الموجة-الجسيم»، والتي أدت إلى اختراع الترانزستور عام 1947، وهو الأساس الذي قامت عليه الحواسيب والهواتف الذكية وكل تكنولوجيا العصر الحالي.

وأضاف فيليبس أن الثورة الكمية الثانية التي نشهدها اليوم تعتمد على مفاهيم أكثر غرابة مثل «التراكب» (Superposition) و«التشابك» (Entanglement)، والأهم من ذلك هو القدرة على التحكم في الأجسام الكمية المنفردة. وحذر من المبالغات التسويقية المحيطة بالحوسبة الكمية، ولكنه أكد أن الإمكانات تفوق الخيال، قائلاً إن مؤسسي ميكانيكا الكم في عام 1925 لم يتخيلوا اختراع الترانزستور، ونحن اليوم قد لا نتخيل العجائب التي ستنتج عن هذه الثورة الثانية.

وفي جلسة حوارية ضمن فعاليات المنتدى، أشار البروفيسور غوبكومار إلى أن ميكانيكا الكم ما زالت تطرح جوانب مذهلة ومفاجئة بدأ العلم يكتشفها للتو. وتحدث الدكتور جوليان باريير، الحائز على جائزة الجمعية الأمريكية للفيزياء للطلاب المتميزين لعام 2022 وباحث مشارك في معهد برشلونة للعلوم والتكنولوجيا، عن أحد الجوانب الأساسية هنا وهو الطوبولوجيا، التي جرى توظيفها لفهم ظواهر تعجز الفيزياء الكمية التقليدية وحدها عن تفسيرها. وأضاف: «نحن اليوم نطوّر أدوات قياس جديدة لهذه المواد، ونجمِع بين الليزر وتقنيات النقل الكهربائي التقليدية، ما يمكن من قياس خصائص مثل الانحناء والاتصال الطوبولوجي والهندسة الكمية والمقياس الكمي، وهي خصائص لم يكن بالإمكان قياسها من قبل، وهذا يفتح باباً واسعاً نحو المجهول وقد يقود إلى تطبيقات مستقبلية واعدة».

وتحدث الدكتور دينيس باندورين، الحائز على تكريم MIT Technology Review لجائزة «مبتكرون دون 35 عاماً»، والأستاذ المساعد بجامعة سنغافورة الوطنية، عن الجانب التطبيقي للثورة الكمية، وقال إن أجهزة الاستشعار الكمية للضوء أصبحت في صلب التطور التكنولوجي الكمي. وأوضح أن أمثلة ذلك تشمل رصد إشارات ضوئية ضعيفة للغاية من مسافات بعيدة، ونقل معلومات مؤمنة كمياً لا يمكن اختراقها.

فيما تناول البروفيسور سبينتا آر واديا، المدير المؤسس للمركز الدولي للعلوم النظرية، التحدي الأكبر في الفيزياء الحديثة وهو الجمع بين النسبية العامة وميكانيكا الكم. وأوضح واديا أن ركيزتا الفيزياء في القرن العشرين هما ميكانيكا الكم والنسبية العامة: الأولى أحدثت ثورة تكنولوجية، بينما الثانية تشكل الإطار لفهم الكون على نطاق واسع، من الثقوب السوداء إلى تطور الكون نفسه.

Exit mobile version