تتغير نظرتنا للصحة عندما ندرك أن المظهر والوزن وحدهما ليسا معيارين مطمئنين كما كان يعتقد لسنوات، فخلف الأجسام التي تبدو طبيعية قد تختبئ اضطرابات أيضية عميقة لا تقل خطورة عن تلك المرتبطة بالسمنة الظاهرة.
أعاد هذا التحول في فهم السمنة طرح أسئلة جوهرية حول عدالة ودقة المؤشرات التقليدية التي يعتمدها الأطباء في تقييم المخاطر الصحية.
أظهر تقرير منشور أن أداة تحليل حديثة تعتمد على قراءة بصمة الأيض تتيح رصد مخاطر صحية مرتفعة حتى لدى أشخاص يتمتعون بمؤشر كتلة جسم ضمن النطاق الطبيعي، وهو ما يفسر إصابة بعض الأفراد بأمراض القلب واضطرابات السكر رغم عدم وجود سمنة ظاهرة.
لماذا لم يعد مؤشر كتلة الجسم كافيًا؟
كان BMI أداة سريعة لتصنيف النحافة أو السمنة، لكنه يعتمد فقط على العلاقة بين الطول والوزن ولا يعكس ما يحدث داخل الجسم، فقصوره يترك فئات كثيرة خارج دائرة الرعاية الصحية رغم وجود اختلالات خفية في توزيع الدهون أو وجود التهابات مزمنة أو مقاومة للإنسولين لا تظهر على الميزان.
تشير بيانات حديثة إلى أن نسبة ملحوظة من المصابين باضطرابات السكر من النوع الثاني لا يُصنّفون بدناء وفق BMI، كما أن كثيرين من مرضى القلب ظهروا لديهم مخاطر لم يُنظر إليها يومًا كمتوقعين.
ما المقصود بمؤشر الكتلة الأيضي؟
الأداة الجديدة تعتمد على تحليل مجموعة واسعة من نواتج التمثيل الغذائي في الدم؛ تعكس هذه النواتج تفاعلًا معقدًا بين النظام الغذائي ونشاط الجسم ووظائف الأعضاء وتوزيع الدهون وحالة الالتهاب الداخلي.
ما يميّز هذا النهج أنه لا يقتصر على قياس كمية الدهون، بل يهتم بجودتها ومكان تراكمها، خاصة الدهون الحشوية المرتبطة مباشرة بمخاطر القلب والسكري.
دهون غير مرئية… وخطر حقيقي
أظهرت التحليلات أن بعض الأشخاص ذوي الوزن الطبيعي يحملون نمطًا أيضيًا مشابهًا لمن يعانون من السمنة، من حيث ارتفاع الالتهاب، وضعف استجابة الخلايا للإنسولين، وزيادة الدهون حول الأعضاء الحيوية. هؤلاء الأشخاص قد يبدون أصحاء ظاهريًا، لكن أجسامهم تعمل تحت ضغط أيضي مستمر.
كما ارتبط هذا النمط الأيضي بتغيرات في تنوع البكتيريا النافعة في الأمعاء، وهو عامل يُعتبر مفتاحًا للصحة الأيضية طويلة الأمد.
هل الوراثة هي المتهم الأساسي؟
على عكس المتوقع، لم يرتبط المؤشر الأيضي الجديد بعوامل وراثية معروفة بشكل مباشر، ما يشير إلى أن نمط الحياة مثل الغذاء والنشاط والجلوس الطويل يلعب دورًا أقوى من الجينات وحدها في تشكيل هذا الخلل الصامت.
ماذا يعني ذلك للممارسة الطبية؟
وعلى الرغم من أن هذه الأداة ما تزال في نطاق البحث، فإنها تفتح بابًا لتقييم أكثر عدالة ودقة وتحديد الأشخاص المعرضين للمضاعفات مبكرًا وتوجيه تدخلات وقائية مخصصة قبل تطور المرض، مع استمرار التقييم الطبي الشامل خاصة لدى من لديهم تاريخ عائلي لأمراض القلب أو السكري أو ارتفاع الدهون والالتهابات.
نحو فهم أعمق للسمنة
لم تعد السمنة مجرد زيادة في الوزن، بل حالة أيضية معقدة قد توجد دون أن تُرى، وهذا يدفع إلى توسيع فحص ومتابعة من يظهرون ظاهريًا ضمن النطاق الطبيعي.
