أكسبتني عشرون عاماً من العمل المباشر مع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، أكسبتني مجموعة من الدروس القيادية المهمة، وأبرزها الانضباط والاستمرارية، والقيادة ببساطة ووضوح، وبناء المؤسسات لا الأفراد، وتمكين الفِرق وصناعة القادة الجدد، والقيادة تحت الضغط، والإرث القيادي والقيم الإماراتية.
القيادة من الميدان ومشروعات دبي الكبرى
شارك معاليه في جلسة بعنوان “القيادة من الميدان” مع منتسبي دفعة 2025-2026 من برنامج محمد بن راشد لإعداد القادة، حيث أكد أن توجيهات سموه المباشرة ومتابعته الميدانية الدقيقة كانت العامل الرئيس في تجاوز التحديات وتحقيق الإنجاز ضمن أعلى معايير الجودة، مستعرضاً قيادة سموه لمشاريع استراتيجية غيّرت مشهد البنية التحتية في دبي مثل مترو دبي، ومشروع ترام دبي، والجسر العائم، والقناة المائية.
تأثير العمل مع صاحب السمو ورؤية القيادة
قال معاليه: “إن العمل مع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم كان له الأثر الأكبر في صقل مهاراتي القيادية، حيث تشرفت بالعمل مع سموه على مدى 40 عاماً، منها 20 عاماً عملت فيها مع سموه عن قرب، مما مكّنني من اكتساب رؤى قيادية متميزة أسهمت بشكل مباشر في تطوير مشاريع استراتيجية كبيرة وتحقيق إنجازات نوعية.”
بداية تأسيس الهيئة والإنضباط في التنفيذ
ولمحات عن بدايات هيئة الطرق والمواصلات، وصفها بأنها كانت نقطة تحول حاسمة، حيث كلفه سموه بإعداد دراسة لإنشاء هيئة تجمع مهام الطرق والمواصلات من جهات مثل البلدية والشرطة تحت مظلة واحدة، مع تسليم الدراسة خلال شهرين، ليتم إصدار القرار في نوفمبر 2005 بعد تسليم الدراسة في أكتوبر من العام نفسه. وأشار إلى أن وضوح الرؤية والتوجيهات لّمتا لليل نهار مع خبراء تمكنا من إنجاز الدراسة في شهر واحد فقط وتقديمها لسموه، فكانت النتيجة صدور القرار خلال الفترة المقررة.
الانضباط والاستمرارية في العمل
أبرز معاليه أن الانضباط والالتزام من أهم صفات القائد، مذكراً بقصة تشغيل مترو دبي في الموعد المحدد 9/9/2009، حيث تم التنفيذ بنجاح رغم الأزمة المالية العالمية عام 2008، مع تمويل المشروع وتغيير أسلوب التنفيذ واعتماد التشغيل التدريجي لباقي المحطات. كما أشاد بمشروع القناة المائية ودور المتابعة الميدانية لضمان عدم التأثير على حركة المرور وخدمات البنية التحتية، وأكد أن تجربة ترام دبي أكدت أن المتابعة الميدانية تقوّي الانضباط وتضمن إنجاز المشاريع وفق أعلى معايير الجودة والكفاءة. كما تعلم من صاحب السمو أهمية أداة “المتسوق السري” التي تبعث في الأداء الانضباط، فحرص على تبنيها وتطبيقها في الهيئة للوقوف على جودة الخدمات وسير العمل.
القيادة ببساطة ووضوح وبناء المؤسسات
قال معاليه إن سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يستشرف المستقبل بقيادة ذات رؤية وتوجيهات واضحة، وهذا يسهم في تمكين الدوائر والمؤسسات من إنجاز المشاريع بكفاءة وجودة عالية. وتطرق إلى أن قانون تأسيس الهيئة سمح بإقامة شركات، فخلال أقل من عشرين عاماً تأسست أربع شركات هي: سالك، باركن، تاكسي دبي، ومدى ميديا، وتجاوزت قيمتها السوقية 80 مليار درهم. وأشار إلى أن توجيهات سموه ساهمت في إنجاز مشاريع استراتيجية بسرعة وكفاءة عالية، من بينها الجسر العائم ومشروع القناة المائية وجسر إنفينتي.
بناء المؤسسات لا الأفراد وتطوير النظام المؤسسي
وشدد على أن كل نجاح في الهيئة يتحول إلى منهجية عمل، وكل خطأ يتحول إلى درس مستفاد يعمَّم في المنظومة المؤسسية. وذكر أن إجمالي قيمة المشاريع التي نفذتها الهيئة خلال 20 عاماً تتجاوز 175 مليار درهم. وتطرق إلى مسارين لبناء منظومة مؤسسية مستدامة: الأول تطوير سياسات وأدلة لتعميم أفضل الممارسات، والثاني تطوير حلول معالجة التحديات في صورة عمليات وأنظمة عمل مؤسسية. كما أشار إلى اعتماد نظام التعاقب الوظيفي لضمان استدامة القيادات، حيث يوجد بديل مؤهل يحل مكان أي قائد يغادر، وهو مدعوم ببرنامج تأهيل وتدريب، ليكون القائد الناجح قادراً على العمل بكفاءة حتى في غياب الأشخاص.
تمكين الفرق وصناعة القادة الجدد
أوضح أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم من أبرز القادة في صناعة القيادات وتمكينهم، وأن مركز محمد بن راشد لإعداد القادة يمثل نموذجاً عملياً لهذا النهج. وأضاف أنه عند تأسيس هيئة الطرق والمواصلات أُتيحت له فرصة اختيار فريق عملي من كوادر شابة من تخصصات مختلفة، وعمل على تأهيلهم عبر برامج متخصصة. ونصح القيادات الشابة بالصراحة والأمانة عند التكليف وإدراك حدود قدرتهم على الأداء، مع التأكيد على التعلم المستمر والاستفادة من خبرات المختصين والخبراء.
القيادة تحت الضغط وتجاوز الأزمات
استعرض معاليه دروساً من أزمات مثل الأزمة المالية العالمية عام 2008 وجائحة كوفيد-19، وموجات انخفاض شديد في النشاط الجوي، مؤكداً أن توجيهات سموه المباشرة ووجوده الميداني ساهما في تجاوز التحديات والاستمرار في الإنجاز مع الحفاظ على جودة المشاريع وكفاءة الأداء. وأكد أن القائد في أوقات الأزمات يجب أن يحافظ على الهدوء وينشر طاقة إيجابية في الفريق، كما ينبغي مراجعة الأولويات وإعادة التنظيم وتوزيع الأدوار لضمان الإنجاز.
الإرث القيادي والقيم الإماراتية
قال معاليه إن العمل ضمن فريق سموه يمثل تجربة فريدة، مع ركيزتين أساسيتين للقيادة الفعالة هما القيادة من الميدان وحب التنافس والتميز، بالإضافة إلى الاهتمام بالابتكار وتمكين وتقدير جهود الموظفين وبث الطاقة الإيجابية والتواضع وخدمة الناس. استعرض أبرز عشر نقاط يراها خلاصة الدروس القيادية، مع الاستشهاد بمفهوم قيادة بثلاث كلمات ألخصه مقولة لأحد المفكرين: هم وهِمّة ومهمة، فالهم الهدف، والهمة الرغبة والشغف، والمهمة العمل المطلوب.
تحدي المشاريع المبتكرة في قطاع النقل
وفي ختام الجلسة وجه معاليه تحدياً لمنتسبي البرنامج، يتمثل في اقتراح مشاريع مبتكرة في قطاع النقل والمواصلات ضمن محاور الرفاهية والصحة والتعليم والضيافة والابتكار، على أن تتم دراسة المشاريع من قبل فريق مختص وتكريم المشروع الفائز في القمة العالمية للاتحاد العالمي للمواصلات العامة UITP لعام 2026.
عن مركز محمد بن راشد لإعداد القادة
يحرص المركز على عقد جلسات منتظمة لمنتسبيه مع قيادات حكومية بارزة لتعزيز التعلم المباشر من التجارب والخبرات، وتمكين القيادات الشابة من صقل مهاراتهم ورفع جاهزيتهم لقيادة مشاريع استراتيجية وتحقيق التميز في مسيرتهم المهنية. وترجمت جهود المركز، منذ تأسيسه، التوجيهات إلى واقع عملي ضمن أفضل المراكز العالمية في تطوير القيادات، مع تركيزه على الاستثمار في الإنسان كأولوية رئيسة لنجاح الاستراتيجيات التنموية.
