تتطور أساليب علاج سرطان الثدي بسرعة، فالعلاج لا يقتصر على استئصال الورم أو تدمير الخلايا السرطانية بل يركز على إعادة توجيه الجهاز المناعي ليكون شريكًا فاعلًا في المواجهة. يتجه البحث إلى توجيه الإشعاع في مراحل مبكرة لا كوسيلة تقليص الورم فحسب، بل كأداة لتحفيز الاستجابة المناعية قبل بدء العلاج المساعد.
تشير بيانات سريرية حديثة إلى أن تعريض الورم لجرعات قصيرة ومركزة من الإشعاع قبل البدء بالعلاج المناعي قد يغيّر البيئة البيولوجية داخل الورم ويجعله أكثر قابلية للتعرّف عليه من قِبل الجهاز المناعي، وهو ما قد يخص فئة محدودة من مرضى سرطان الثدي المدروسين في التجارب.
لماذا يفشل العلاج المناعي لدى بعض المرضى؟
لا يعمل العلاج المناعي بكفاءة لدى جميع المرضى بسبب وجود أورام “باردة” مناعيًا، وهي أورام تحتوي على عدد قليل من الخلايا المناعية القادرة على مهاجمة الخلايا السرطانية. في هذه الحالات تكون الاستجابة لمثبطات نقاط التفتيش المناعية محدودة حتى مع بروتوكولات علاجية مكثفة.
الإشعاع كأداة تمهيدية للجهاز المناعي
تبيّن الدراسات أن الإشعاع لا يقتصر دوره على تدمير الحمض النووي للخلايا السرطانية، بل يؤثر أيضاً على طريقة تواصل الورم مع الجهاز المناعي. عند تعريض الورم للإشعاع في مرحلة مبكرة، تبدأ الخلايا السرطانية في إطلاق إشارات تنشّط الخلايا المقدمة للمستضدات، وهو ما يفتح الباب أمام استدعاء الخلايا التائية إلى موقع الورم.
تصميم التجربة السريرية
في تجربة إكلينيكية متعددة المراكز، جرى تقسيم المرضى إلى مجموعات تلقت مستويات مختلفة من الإشعاع المسبق أو لم تتلق إشعاعًا. جميع المشاركات كنّ من سرطان الثدي الإيجابي لمستقبلات الهرمونات وسلبي HER2 مع انتشار إلى العقد اللمفاوية الإقليمية، وهو ما يضعهن ضمن فئة عالية الخطورة.
التغيرات المناعية داخل الورم
أظهرت النتائج أن زيادة جرعة الإشعاع ارتبطت بارتفاع واضح في تسلل الخلايا التائية إلى أنسجة الورم، وهو مؤشر على استعداد الجهاز المناعي للتفاعل مع العلاج المناعي اللاحق. كما لوحظ ارتفاع تعبير مؤشرات مناعية داخل الورم، ما يعزز فكرة أن الإشعاع يعيد “تسخين” الأورام الباردة.
انعكاس ذلك على الجراحة
رغم أن الدراسة لم تقصد قياس النتائج الجراحية النهائية، أشارت المتابعة إلى اتجاه إيجابي يتمثل في زيادة معدلات تنظيف العقد اللمفاوية لدى المرضى الذين تلقوا الإشعاع المسبق. يرى الباحثون أن هذا التأثير قد يكون بسبب انتقال الخلايا المناعية المنشطة من الورم إلى العقد اللمفاوية.
اختلاف الاستجابة بين الأنماط الجزيئية
لم تكن الاستجابة متساوية بين الأنماط البيولوجية للورم. تبين أن الأورام غير المصنفة ضمن النمط اللمعي A ظهرت استفادة أوضح من هذا النهج، ما يفتح بابًا للطب الدقيق القائم على خصائص الورم المناعية وليس شكله النسيجي فقط.
الأمان والآثار الجانبية
لم يسجل استخدام الإشعاع في هذه المرحلة المبكرة زيادة ملحوظة في المضاعفات الجراحية أو الأعراض التي تُبلِّغ عنها المريضة، وهو عامل حاسم عند التفكير في دمج أي استراتيجية جديدة ضمن خطط علاج سرطان الثدي المعقدة.
آفاق البحث المستقبلية
تبقى النتائج خطوة استكشافية تمهّد لدراسات أوسع تركّز على الفئات الأكثر استفادة وتبحث في أفضل الجرعات وأوقاتها لتعظيم الأثر المناعي دون زيادة العبء العلاجي على المريضة.
