«الشريك الخفي».. كيف تؤثر الأم والزوجة في مصير الشركات العائلية
«الشريك الخفي».. كشف خبراء ومسؤولون في دبي عن عامل خفي يتجاهله الكثيرون عند الحديث عن مستقبل الشركات العائلية، يتمثل في ما أسموه بـ«الشريك النفسي» الذي، رغم عدم امتلاكه لأسهم أو حصص في الشركة، يمتلك تأثيراً قوياً على قرارات الورثة ومسار الشركة، وهو غالباً الأم أو الزوجة أو أحد أفراد الأسرة المقربين.
جاءت هذه التصريحات خلال ندوة خاصة نظمتها محاكم دبي بالتعاون مع أكاديمية الاقتصاد الجديد تحت عنوان «محكمة التركات × اقتصاد دبي D33»، حيث ناقش المشاركون العقبات التي تواجه الشركات العائلية، وقدموا حلولاً عملية وقانونية للحفاظ على استدامتها وضمان استقرارها للأجيال المقبلة.
وأوضح القاضي محمد جاسم الشامسي، رئيس محكمة التركات بدبي، أن الشركات العائلية تلعب دوراً محورياً في دعم الاقتصاد الوطني، وهو ما استدعى صدور قانون اتحادي خاص بها لتنظيم إدارتها وحمايتها من التفكك والصراعات الداخلية.
وأشار إلى أن من أبرز أسباب النزاعات في هذه الشركات هو تجاهل الجانب النفسي والإنساني للعائلة، مؤكداً أن المحكمة تعاملت مع العديد من القضايا التي استمرت لعقود بسبب خلافات أسرية ورواسب نفسية حالت دون التوصل إلى تسويات مرضية.
الشامسي أوضح أن إعداد الورثة نفسياً وإدارياً قبل انتقال ملكية الشركات إليهم ضرورة لا يمكن إغفالها، لافتاً إلى أن الكثير من الأزمات تبدأ عندما يتولى الورثة مسؤولياتهم من دون تأهيل أو اتفاق مسبق، وهو ما يُضعف الروابط الأسرية ويهدد بقاء الشركة.
ولفت إلى أهمية الوصايا الأخلاقية التي كان يحرص عليها الآباء قديماً، والتي تتضمن رسائل مباشرة لأبنائهم حول أهمية الترابط الأسري وتقديم مصلحة العائلة على الخلافات الفردية، مؤكداً أن هذه القيم تشكل سياجاً وقائياً يحمي الشركات من الانهيار.
من جهته، سلط أديب رشيد، مدير مركز الشركات العائلية بغرفة دبي، الضوء على التحديات الكبرى التي تواجه هذه الشركات، مشيراً إلى أن الخلافات الأسرية، وغياب آليات واضحة لنقل الملكية والإدارة، إلى جانب غياب نظم توزيع الأرباح، تعد أبرز الأسباب التي تعصف بهذه الكيانات الاقتصادية المهمة.
وأضاف أن التأثير الكبير لـ«الشريك النفسي»، مثل الأم أو الزوجة، لا يجب الاستهانة به، حيث يمكن أن يغير موقف أحد الورثة في لحظة، كما حدث في حالات عدة شهدت تراجع شركاء عن اتفاقات حاسمة بعد تدخل أزواجهم.
وأوضح أن القانون الاتحادي للشركات العائلية قدم حلولاً مبتكرة، أبرزها الاعتراف بميثاق العائلة كوثيقة قانونية ملزمة، إلى جانب تخصيص نوعين من الأسهم، أحدهما يُمنح حق التصويت والآخر لا يملكه إلا من ينتمي فعلياً للعائلة.
أما الدكتور طارق الحجيري، الرئيس التنفيذي لشركة دوتس أند كو للاستشارات، فقد أشار إلى أهمية تأهيل كل الأطراف، بما في ذلك «الشركاء النفسيون»، لفهم أهمية وحدة الأسرة وتأثيرها على استدامة الشركة، مؤكداً أن كثيراً من الشركات انهارت بسبب استشارات قانونية لم تراعي خصوصية البيئة الإماراتية والعربية.
الحجيري أوضح أن الخلافات العائلية قد تكون كفيلة بتدمير شركات ضخمة، خاصة إذا كان أصحابها يفتقرون لرؤية واضحة لحوكمة أعمالهم وإدارة الانتقال بين الأجيال، داعياً المؤسسين إلى صياغة ميثاق عائلي شامل، يحدد الأدوار والصلاحيات وينظم العلاقات الداخلية، بما يضمن بقاء الشركة ضمن إطار الأسرة وتحقيق التفاهم المشترك.
وأكد أن تجارب العديد من الشركات المحلية أظهرت أن غياب التفاهم أو الاستعداد المسبق بين الورثة يؤدي إلى أزمات كبيرة، لافتاً إلى أهمية الحلول الوقائية والاستشارات القانونية المتخصصة لتفادي الوصول إلى المحاكم، حيث يصبح الأمر أكثر تعقيداً وتكلفة.
وفي الختام، شدد المتخصصون على أن نجاح الشركات العائلية لا يعتمد فقط على القوانين والإجراءات، بل يبدأ من الأسرة نفسها، وقدرتها على إدارة خلافاتها الداخلية، وإشراك جميع الأطراف المؤثرة، حتى أولئك الذين لا يحملون أسهماً، في صنع القرارات المصيرية لضمان بقاء واستدامة هذه الكيانات التي تشكل ركيزة مهمة في الاقتصاد الوطني.