اخبار الامارات

ضبابية المهارات تعيق اختيار الطلبة لتخصصاتهم المستقبلية

تواجه منظومة التعليم العالي وسوق العمل فجوة مهارية مستمرة رغم التحولات الاقتصادية والتكنولوجية السريعة وزيادة أعداد الخريجين سنوياً، فالكثير من القطاعات لا تزال تعاني من نقص كفاءات مؤهلة ما يطرح تساؤلات عن مدى مواءمة التخصصات الجامعية مع احتياجات سوق العمل المستقبلي ووجود قدرة لدى الطلبة وأولياء الأمور على اتخاذ قرارات أكاديمية مبنية على بيانات دقيقة وموثوقة.

أشار عدد من الأكاديميين والطلبة والخريجين إلى أن تشتت البيانات بين جهات متعددة واعتماد الطلبة على مصادر غير رسمية وضعف التواصل بين الجامعات وقطاع الصناعة عوامل تعمق الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد.

قال الدكتور عيسى البستكي، رئيس جامعة دبي، إن اختيار التخصص غالباً ما يتم في مرحلة حاسمة من حياة الطالب، وهو قرار يحدد مسار حياته المهنية لعقد أو أكثر، إلا أن هذا القرار غالباً ما يعتمد على معلومات متاحة أكثر من كونها موثوقة.

وأضاف أن الطلاب يتعرضون لسيل متنوع من الرسائل بدءاً من الحملات الترويجية للجامعات، مروراً بنصائح الأقارب، وانتهاءً بمحتوى منصات التواصل الاجتماعي مثل تيك توك ويوتيوب، وهو ما يكوّن قناعة أولية عن التخصص قبل أن يصطدم الطالب بسؤال: هل هذا الاختيار مرتبط فعلياً باحتياجات سوق العمل؟

وأكد البستكي أن الإنترنت أصبح المصدر الرئيسي لمعلومات الطلبة حول التخصصات والمهارات، متقدماً على المدرسة والأسرة والمرشدين الأكاديميين، لكن المشكلة ليست في تعدد المصادر بل في تفاوت موثوقيتها وغياب الربط العملي بين ما يقرأه الطالب ومستقبل الوظائف والمهارات المطلوبة، ونادراً ما يجد الطالب إجابة واضحة عن الوظائف المتوقعة والمهارات التي تشترطها جهات التوظيف.

وأشار إلى أن إطلاق منصة وطنية موثوقة مدعومة ببيانات سوق العمل يمكن أن يحدث تحولاً في طريقة اتخاذ القرارات الأكاديمية، شرط أن تبنى على بيانات حقيقية ومحدثة، لا على انطباعات آنية أو توجهات غير دقيقة.

دور القرار الأكاديمي الاستراتيجي

من جانبه أكد منصور العور، رئيس جامعة حمدان بن محمد الذكية، أن اختيار التخصص لم يعد قراراً تقليدياً بل قراراً استراتيجياً له أثر مباشر على مستقبل الطالب وتنافسية الاقتصاد الوطني.

وأضاف أن كثيراً من الطلاب يعتمدون على وسائل التواصل الاجتماعي أو تجارب فردية، وهي مصادر لا تعكس بالضرورة احتياجات اقتصاد المستقبل في الإمارات ولا التوجهات الوطنية لرؤية الإمارات 2031.

وشدد على وجود منصة وطنية مدعومة بالبيانات تربط التخصصات الجامعية بالمهارات المطلوبة في القطاعات المستقبلية، ما سيحسن جودة قرارات الطلبة ويساعد الجامعات على تصميم برامج أكاديمية متوافقة مع أولويات التنمية الوطنية.

وأكّد الدكتور يوسف عساف، رئيس جامعة روشستر للتكنولوجيا بدبي، أن أغلبية الطلاب يحصلون على معلوماتهم من المرشدين الأكاديميين، الأسرة، الزملاء، ومواقع التواصل الاجتماعي، مع ضعف التغطية الشاملة للإرشاد الأكاديمي، وهو ما يضع الطلاب أمام قرارات مصيرية تحت وطأة نقص المعلومات الدقيقة.

وأشار إلى وجود فجوة واضحة بين البرامج الأكاديمية واحتياجات الصناعة نتيجة ضعف التواصل بين الجامعات وقطـاع الأعمال، وأضاف أن المنصة الوطنية المقترحة يمكن أن تعمل كحلقة وصل بين أطراف العملية التعليمية وأرباب العمل وصناع القرار.

وقال محمد أحمد عبدالله، رئيس معهد دبي للتصميم والابتكار، إن البيانات المتعلقة بتوجهات سوق العمل ومهارات المستقبل متوفرة بالفعل، لكنها مجزأة وغير مهيأة للاستخدام من قبل الطالب العادي. وأضاف أن المشكلة تكمن في ضعف قابلية هذه البيانات للاستخدام وعدم تحويلها إلى مؤشرات واضحة، تساعد الطالب على اتخاذ قرار واعٍ.

حلول عملية لسد الفجوة

أكد الدكتور عبدالله الشامسي، مدير الجامعة البريطانية بدبي، أن سد فجوة المهارات يتطلب حلولاً عملية تشمل إنشاء منصة وطنية تربط التخصصات والوظائف والمهارات، وربط البرامج الجامعية بمخرجات مهارية قابلة للقياس، وتوسيع التعلم القائم على العمل واعتماد الشهادات المصغرة، وتحديث المناهج بالشراكة مع قطاع الصناعة، بما يتوافق مع احتياجات سوق العمل.

وأضاف أن وجود المنصة الرقمية داخل الفضاء الذي يوجد فيه الطلاب يقلل من تأثير الشائعات والانطباعات، ويمنح الجامعات بوصلة لتطوير برامجها بما يتناسب مع الطلب المتغير على المهارات.

وأكد خبراء الصناعة أن سوق العمل لم يعد يركز فقط على الشهادات الأكاديمية، بل على المهارات التطبيقية والمرونة مثل المهارات الرقمية، تحليل البيانات، الذكاء الاصطناعي، التفكير التحليلي، والقدرة على التعلم المستمر.

وأشاروا إلى أن نماذج مثل سنغافورة وبعض الدول الأوروبية نجحت في خفض البطالة بين الخريجين عبر منصات وطنية تربط التعليم بسوق العمل وتوفر بيانات آنية عن الوظائف المستقبلية والمهارات المطلوبة.

وترى كارولين زلقط، مدير عام شركة زيكود للاستشارات الإدارية، أن الاستفادة من هذه التجارب مع مراعاة خصوصية السوق المحلي يمكن أن تشكل نقلة في منظومة التعليم العالي بالدولة.

وأوضحت أن سوق العمل لم يعد ينظر إلى التخصص الأكاديمي بمعزل عن المهارات العملية، فالشركات تقبل مئات السير الذاتية لكنها تقرر التوظيف بناء على امتلاك المرشح مهارات رقمية، وقدرته على التعلم السريع والعمل ضمن فرق متعددة التخصصات، وليس فقط اسم الشهادة.

بدورها أكدت ميشلين وهبي، أخصائية العلاقات العامة ومستشارة تطوير الأعمال، أن الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق ما تزال قائمة، وأن الخريجين بحاجة إلى التفكير التحليلي وحل المشكلات والمرونة المهنية، وهذه المهارات غالباً لا تكتسب داخل القاعات الدراسية فقط وإنما عبر التدريب العملي والمنصات المتخصصة التي تربط التعليم بسوق العمل.

صوت الطلاب

قال الخريج أحمد سعيد إن اختيار التخصص لم يكن مبنياً على فهم دقيق لمتطلبات سوق العمل بل على ميوله ونصائح المحيطين، ومع تقدم الدراسة اكتشف أن السوق يحتاج مهارات إضافية وتخصصات مختلفة لم تكن واضحة عند اتخاذ القرار، وهو ما يجعل المنصات المهارية أداة مهمة لتصحيح المسار مبكراً.

وأكدت الطالبة هاجر يوسف أن غياب الإرشاد المهني يؤثر على ثقة الطلبة بمستقبلهم الوظيفي، وأنهم يحتاجون معلومات عملية عن الوظائف المطلوبة والمهارات المرتبطة بها والتخصصات المستقبلية، إضافة إلى الفجوة بين الدراسة النظرية والواقع المهني التي تشكل هاجساً للطلبة.

وأشار الخريج يوسف علي إلى أن الانتقال من الجامعة إلى سوق العمل كان صادماً في بعض الجوانب، وأنه اضطر لتغيير مساره الوظيفي بسبب محدودية الفرص في تخصصه، ولو وجدت منصات توضّح المهارات القابلة للنقل بين التخصصات لكان القرار أسهل وأقل كلفة، كما أن الوعي المبكر بالمهارات المستقبلية يختصر سنوات من التجربة.

منصة موحدة وتوجه رسمي

أكدت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أنها تدرس إطلاق منصة وطنية موحدة لرصد مهارات المستقبل وتوجهات سوق العمل بهدف تقليص الفجوة بين مخرجات التعليم العالي واحتياجات السوق وربط التعليم الأكاديمي بالتوجهات الاقتصادية والتكنولوجية القادمة بما يدعم الطلاب والجامعات في اتخاذ قرارات تعليمية واعية ومتوافقة مع أولويات التنمية الوطنية.

google.com, pub-7984506988189976, DIRECT, f08c47fec0942fa0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى