د. سمر أبو الخير تكتب: علاج التوحد بالذكاء الاصطناعي.. كيف تتكلم الخوارزميات بدلًا من الطفل؟

تتساءل أم عن الوقت الذي ستنطق فيه كلمات ابنها، وتدرك أن الصمت ليس هدوءًا بل سؤالًا يوجعها كل يوم: متى سيخرج الصوت؟

في عالم التوحد، لا يعتبر غياب النطق مجرد تأخر لغوي، بل تجربة إنسانية تؤثر في قلب الأسرة وتضع الأم في مواجهة خوف وانتظار وأمل لا ينطفئ.

ومع تقدم تقنيات الذكاء الاصطناعي، يفتح أمامنا أفق جديد يسعى إلى فهم طرق التواصل غير التقليدية لدى هؤلاء الأطفال، وتحويل هذه الأنماط إلى وسائل تعبير قابلة للتقييم والتدريب.

تشير مراجعات بحثية أُجريت بين 2015 و2025 إلى أن تقنيات التعلم الآلي والتعلم العميق يمكنها تحليل بيانات سلوك الأطفال المصابين بالتوحد، من الصوت والحركة والانتباه، وتكوين نماذج تعلمت أنماط النطق والتواصل وتحديد دلالاتها بدقة عالية.

دور الذكاء الاصطناعي في العلاج والتواصل

عند حديثنا عن الذكاء الاصط AI في علاج تأخر النطق، لا نعني آلة تفرض لغة جاهزة على الطفل، بل أنظمة تساهم في فهم أنماط التواصل التي لا تظهر ككلمات وتساعد في تحويلها إلى إشارات مفهومة مع الحفاظ على خصوصية الطفل وتطوره.

تناولت دراسة علمية صادرة عن المركز الدولي للبحوث العلمية والإنسانية كيف يمكن لتقنيات الصوت وفهم اللغة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي تقديم حلول علاجية مرنة وتفاعلية للأطفال باضطراب طيف التوحد، مع نماذج تقيس تقدم الطفل وتضبط الاستراتيجيات العلاجية تلقائيًا وفق بياناته الفردية، ما يسمح بمتابعة التقدم خطوة بخطوة بعيدًا عن النماذج الموحدة.

وتقرير من كلية التربية للطفولة المبكرة بجامعة القاهرة بعنوان فعالية برنامج قائم على تطبيقات الذكاء الاصط AI في تحسين السلوك اللفظي لأطفال التوحد أشار إلى زيادة ملحوظة في مستوى السلوك اللفظي بعد تطبيق البرنامج، ما يعزز فكرة أن تقنيات AI يمكن أن تكون جزءًا من الواقع البحثي وليست فكرة مستقبلية فقط.

وتشير عدد من الدراسات الحديثة إلى أن التكرار المنضبط والتواصل مع الأجهزة التقنية يمكن أن يزيد من استجابة الطفل ويعزز مهاراته اللغوية والإدراكية والتواصلية على المدى الطويل، مع الإشارة إلى أن التوحد يظل اختلافًا في الانتباه والوعي الانفعالي والربط بين الدلالة والعاطفة، وهي عناصر يفهمها البحث التربوي والنفسي بخيارات تدخل مختلفة قد تكون تقليدية أو مدعومة بالذكاء الاصط AI.

ولذلك فإن ما يجعل الذكاء الاصط AI ذا قيمة ليس قدرته على النطق بدل الطفل، بل قدرته على فتح أبواب فهم قدراته وتوقع رغباته من بيانات صوته وحركاته واستجاباته، وتحويل اختياراته البصرية على الشاشات وإشاراته الصوتية إلى ما يشبه لغة مفهومة، مع أنظمة تواصل بديلة وذكية تعتمد على التعرف التنبؤي للكلام والإيماءات.

لكن يبقى وجود الأخصائيين البشريين عنصراً أساسياً؛ فالذكاء الاصطAI شريك في التحليل والتخطيط والدعم، وليس بديلاً عن المعالجين والاختصاصيين الذين يستمرون في التقييم واللمس التربوي العاطفي والإنساني لكل طفل.

نخلص إلى أن التكنولوجيا تمنح الطفل نافذة جديدة يعبّر من خلالها عن نفسه، وتلتقي فيها علوم الأعصاب والتعلم الآلي والتربية الخاصة في رؤية علاجية للمستقبل يبدأ اليوم في المختبرات ثم يمتد ليصل إلى الأسرة التي تنتظر صوتًا يفهمها.

Exit mobile version