شهد العام الأول من ولاية دونالد ترامب الثانية تصعيداً غير مسبوق في الشرق الأوسط، تمثل في حرب الـ12 يوماً بين إيران وإسرائيل، التي اندلعت في الفترة من 13 إلى 24 يونيو 2025، بدعم أمريكي مباشر، ومباركة من ترامب نفسه، ووصفها بأنها صراع عسكري قصير ومباشر لردع إيران عن أي نشاط نووي.
وفي بداية يناير الجاري تصاعدت حدة التوتر مجدداً، حتى بات الجميع موقنين أن حرباً جديدة ستتفجر في أي لحظة، لكن ما لبث أن حدث تراجع نسبي في إمكانية تنفيذ هجوم أمريكي مباشر على إيران، بعدما أعلن ترامب نفسه عدوله عن ذلك، مشيراً إلى أن طهران ألغت تنفيذ أحكام إعدام بحق مئات المحتجين، وهو ما كان عاملاً مؤثراً في قراره.
وفي حين لا تزال الإدارة الأمريكية تلوح بخيارات متعددة للتعامل مع طهران، ويجري الاحتفاظ بقوات وترسانات جاهزة في المنطقة، فإن سقوف الردع الإقليمي والدولي وضرورات الاستقرار في الشرق الأوسط تبقي احتمالات المواجهة المباشرة محدودة في الوقت الراهن.
هذا المزيج بين تصعيد عام 2025 والتراجع النسبي خلال الأيام القليلة الماضية يعيد طرح السؤال الاستراتيجي: هل انتهت مرحلة المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران في الوقت الراهن، أم أن التوترات ستعود لاحقاً في ظل تغير الظروف الداخلية الإيرانية والمصالح الأمريكية؟
ضغط سياسي ونفسي
يوضح خبير العلاقات الدولية والمحلل السياسي د. طارق البرديسي أن العام الأول من ولاية دونالد ترامب الثانية شهد تصعيداً غير مسبوق في العلاقات الأمريكية–الإيرانية، وتوج بحرب الاثني عشر يوماً في يونيو 2025، إلا أن هذا التصعيد لم ينه منطق المواءمات غير المعلنة بين الطرفين. ويشير إلى أن العام أنهى مرحلة الغموض الهادئ، ونقل العلاقة إلى مستوى من الردع الأكثر صراحة وعدوانية، دون أن يتحول إلى حرب شاملة أو مواجهة دولية مفتوحة.
ويشير إلى أن التصعيد في مطلع 2026، بما في ذلك تحريك القوات من قاعدة العديد في قطر وغيرهما من الإجراءات، يندرج أساساً في إطار الضغط السياسي والنفسي على النظام الإيراني، وليس تمهيداً لحرب أرضية مباشرة. ويشير إلى أن القيود الأمريكية والإيرانية، إلى جانب سقوف الردع الإقليمي والدولي، تشكل كوابح قوية تمنع تحول التوتر إلى صراع مفتوح.
ويضيف البرديسي: «أنا لا أؤمن بالفواصل الإسمنتية أو الحواجز الخرسانية في تاريخ العلاقات الدولية، فهناك أساسيات تراعى رغم تغير المواقف والسياقات». ويوضح أن الضربات الأمريكية – إن حدثت – قد تستهدف مراكز قيادة أو تجمعات محددة.
ويختم البرديسي بالقول، إن الهدف الأمريكي يكمن في الترويض وكسب نقاط استراتيجية، لكن الضربة القاضية التي تشبه سقوط صدام حسين عام 2003 لن تتكرر في إيران، طالما بقيت القوة الثورية قوية ومتماسكة.
كلفة الحرب الشاملة
وفي قراءة تحليلية لمسار التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران يرى المحلل الاستراتيجي الكويتي حمد بوضاري أن التراجع النسبي في احتمالات الحرب لا يعكس ضعفاً في الموقف الأمريكي، بقدر ما يعكس إدراكاً متزايداً لكلفة الحرب، فبحسب تقديره، لم يعد النظام الإيراني في موقع يسمح له بالمغامرة العسكرية، في ظل استنزاف اقتصادي طويل الأمد، وأزمات معيشية خانقة، وضغط داخلي متراكم دون إصلاحات حقيقية.
ويؤكد بوضاري أن النظام الإيراني، رغم الخطاب المتشدد، يتصرف ببراغماتية، وهو ما يفسر استعداده المحتمل للتفاوض ليس فقط حول الملف النووي، بل أيضاً الصواريخ والمسيّرات وشبكة النفوذ الإقليمي. يرى أن استمرار الضغط السياسي والاقتصادي هو الأداة الأنجع لإنهاك النظام ودفعه إلى تسويات تكتيكية دون الانزلاق إلى حرب شاملة لا تخدم أحداً.
