
تحليل مسار الحرب ومصالح الولايات المتحدة في الولاية الثانية لترامب
تشهد الولايات المتحدة تعزيزاً لمكانة الحرب الروسية-الأوكرانية في صلب مصالحها المباشرة أكثر من أي وقت مضى، مع سعي ظاهر لـ«إنهاء النزاع» يقابله واقع ميداني يتجاوز تفاهمات المعلن عنها. وبالتزامن مع انطلاق قمة لندن في مارس 2025 كمنصة للدعم، ظل البيت الأبيض يميل إلى مقاربة تفاوضية تقوم على تقديم تنازلات سياسية واقتصادية مقابل مكاسب أمريكية في الإمداد والتنافس التجاري، بينما اصطفت المفاوضات الأمريكية مع موسكو نحو قبول بعض المقترحات الأمريكية دون التوصل إلى هدنة فعلية أو جدول زمني لإيقاف الحرب.
وتعكس التطورات الأخيرة، من استمرار القصف الروسي إلى مبادرات أوروبية لتمويل كييف بعيداً عن الاعتماد الكامل على واشنطن، تضارباً صارخاً في المصالح بين استراتيجية ترامب واحتياجات أوروبا وأوكرانيا نفسها.
في ظل هذا الواقع، لم تُثمر تفاهمات ميامي السابقة عن وقف حقيقي للقتال، بل بنيت على أسس هشة لم تتجاوز الهواجس الأمريكية، ما يبقي الحرب مفتوحة ومسارها أقرب إلى توازنات القوى الدولية من أي تصور أمريكي منفرد لإنهائها.
يرى الباحث السياسي عامر تمام أن إدارة ترامب في هذه المرحلة تعاملت مع الحرب كصفقة تجارية لا كتحالف، وتُظهر لهجة «أمريكا أولاً» على حساب أوكرانيا وأوروبا، فالتعقيد هو أن ترامب لم يُبدِ إصراراً تجاه الحلفاء الأوروبيين أو الناتو بل سعى إلى تحقيق مكاسب أمريكية مركبة عبر إنهاء الحرب حتى لو اقتضى ذلك الضغط على كييف وبروكسل سياسياً واقتصادياً.
ويضيف تمام أن واشنطن مارست ضغوطاً على أوكرانيا لشراء السلاح الأمريكي، وهددت بخيارات مرتبطة بالمعادن النادرة، كما ضغطت على أوروبا لتحمل كلفة الحرب مقابل تخفيض الالتزامات الأمريكية، وفي المقابل لم يظهر ترامب حزماً تجاه روسيا، ما منح موسكو هامشاً أوسع للتشدد وشجعها على الاستمرار في الحرب، خاصة مع تراجع الدعم الأمريكي التقليدي لأوروبا.
ويرى تمام أن هذه السياسة قد تحقق مكاسب قصيرة الأجل لكنها فاشلة استراتيجياً في أوروبا لأنها تقوّض ثقة الحلفاء وتدفع الأوروبيين للبحث عن منظومة أمنية مستقلة، ويدفع الحديث الأوروبي عن دفاع أوروبي منفصل إلى إدراك أن الولايات المتحدة باتت شريكاً متقلباً وغير مأمون. وهو يحذر من أن هذا المسار قد يهز أسس النظام العالمي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية ويعجل الانتقال إلى عالم متعدد الأقطاب تقل فيه الهيمنة الأمريكية تدريجياً.
كما يشدد على أن التسهيل مع روسيا قد يطيل أمد الحرب، لأن أي تسوية قد تعتبر هزيمة لأوكرانيا وأوروبا، وهو ما لن تقبله الأطراف المعنية، ما يعني استمرار الصراع وفشل السياسة الأمريكية على المدى البعيد.
وفي سياق كلفة سياسية، يرى ديميتري بريجع أن النهج القائم على الدعم المشروط وغير العقلاني تجاه أوكرانيا خلال عام من ولاية ترامب يمثل محاولة لإعادة تعريف دور واشنطن من راعٍ استراتيجي طويل النفس إلى ميسر صفقة يربط المساعدات والدعم بنتائج تفاوضية محددة وبمشاركة أوسع من الأوروبيين. وهو يرى أن هذا النهج يتسق مع منطق «أمريكا أولاً» القائم على تقليل الالتزامات المفتوحة وتقاسم الأعباء مع الحلفاء، ما يتوقع أن يفتح أزمات للولايات المتحدة في المستقبل القريب.
ويضيف بريجع أن هذا المسار رفع تكاليف إطالة الحرب على الأطراف التي تهدد اقتصاد أوروبا وتؤدي إلى تحولات سياسية محتملة، لكنه في الوقت نفسه يحوّل الدعم إلى أداة ضغط قد تضعف موقع كييف التفاوضي إذا فسّرت موسكو إشاراتها كدليل على انكسار وحدة الغرب أو قابلية واشنطن للتنازل عن الملفات الجوهرية. ويرى أن صورة الولايات المتحدة كحليف أصبحت أكثر شرطية وأقل موثوقية في نظر بعض الشركاء الأوروبيين، مع مخاطر قانونية ودولية، وهذا يجعل النهج تكتيكياً فعالاً ولكنه يحمل كلفة سياسية إذا لم يُرفق بإطار ضمانات وتنسيق صريح مع أوروبا.